التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة قصيرة.. سلبيات واقعية

سلبيات واقعية

خالد.. خالد. هيا انزل لقد تأخرنا، على تلك الصيحات من فيه عبد العزيز تهاوت كل الكلمات والأفكار من رأس خالد، نظر إليه من النافذة المستطيلة بوجه عابث ثم استطرد قائلاً:

ما بك يا عبد العزيز سامحك الله يا صديقي، انزل يا أخي فالوقت ضيق والطريق طويل، حاضر سوف انزل، عاد خالد إلى دفتره فوضع القلم من بين أنامله وأغلق الدفتر وهو يهمس لنفسه قائلاً:

سامحك الله يا عبد العزيز، لقد بعثرت كلماتي وقطعت حبل أفكاري، فكيف أنهي هذا المقال بعد أن تهالكت برأسي كل الأفكار.

بدأ يهبط خالد درجات السلم وهو يهمهم بكلمات تحمل كل معاني الصداقة والود قائلاً:

والله يا عبد العزيز لولا أنني أعرف وحشة الطريق ومهالكه ما نزلت درجة سلم واحدة قبل أن أنهي هذا المقال البغيض.

ركب خالد السيارة الصغيرة بجوار صديقة دون أن ينبس ببنت شفه، تحرك عبد العزيز بالسيارة والابتسامة الماكرة تزين محياه، 

سلك طريق مختصر إلى وجهته، الطريق متهالك. فنظر خالد إليه والضيق ظاهر على ملامح وجهه، وقبل أن يُنفس عن غضبه بادره عبد العزيز قائلاً:

تحمل يا صديقي، كلها دقائق ونصل إلى الطريق الدولي.

مرت الدقائق ووصلا الطريق المذكور بعد أن تبعثرت أمعاء خالد بداخله، نظر إلى عبد العزيز متسائلاً:

أهذا هو الطريق الدولي!؟

فأجاب عبد العزيز بإيجاز.. نعم هو.

فقال له خالد وقد انفجر غيظاً.

كيف يكون طريق دولي وقد زحفت الأبنية على جانبيه؟ كيف يكون دولي وهو متهالك وكله حُفر ومطبات!؟

فنظر إليه صديقه ثم قال:

أقسم لك أنه دولي رضيت أو لم ترضى. فابتلع الأخير لسانه وأطبق فيه، فبدأ عبد العزيز ينظر نحوه من حين لآخر وهو ما زال مبتسماً، في منتصف الطريق إلى بورصة الأسماك، دخل عبد العزيز محطة البنزين ليملأ خزان سيارته الصغيرة بالوقود، بعد أن انتهى 

العامل من وضع البنزين بخزان السيارة..

نظر عبد العزيز إلى العداد والقيمة المطلوبة، ثم أخرج المال من جيبه وأعطاه للعامل، أخذ منه ما أراد ثم رد إليه ما بقي له، فإذا بتلك الابتسامة الماكرة تختفي من وجهه، نظر إليه خالد قائلاً:

ما بك أيها المزعج؟ والله يا صديقي لا أدري ما لي أنا ودخان هذا العامل البغيض، هل ما زال ينقصنا الدخان والإكراميات للعمال، هل ما زال ينقصنا أعباء فوق أعبائنا التي أثقلت كاهلنا. ما بك يا عبد العزيز؟ تصور يا صديقي أن هذا العامل أخذ أربع جنيهات دون وجه حق، وكيف ترضى أن يسرقك هكذا، قلت له أين الباقي قال بلا مبالاة.. إنهم دخاني!؟

آه يا عبد العزيز فكل تلك الأمور لم أراها إلا في هذا البلد الذي كان من قبل جميل، أصبحنا نتفنن في السرقة، ونطلق عليها أسماء ومسميات، لم يُنزل الله بها من سلطان، أكملنا الطريق ووصلنا إلى بورصة الأسماك، نزل صديقي من السيارة وهو يهمس لي قائلاً:

خالد هل ستأتي معي أم ستظل في السيارة؟

أجبته بلا مبالاة قائلاً:

اذهب أنت يا عبد العزيز أما أنا فسوف أظل هنا قابعاً، بعد 

وقت قصير جاء صديقي بعد أن اشترى صندوقين صغيرين من الأسماك، فهما سبيل رزقه هو وأولاده، وضعهما في صندوق السيارة ووضع فوقهما الثلج، ثم اتجهنا إلى بوابة الخروج، فإذا 

بشاب يقف أمام السيارة فاتحاً لنا يده ومن خلفه يقبع رجلان لو كُلف أحدهما برفع سيارتنا الصغيرة لفعل بيد واحدة، مد له صديقي يده بخمسة جنيهات فردها له قائلاً:

ما هذا الهراء؟ نريد عشرة جنيهات لا خمسة.. فتذكرت أحد الأفلام القديمة ومقولة (شخلل عشان تعدي) وبعد شد وجذب نهض أحد الرجلين من مجلسه، فقلت في نفسي، سامحك الله يا عبد العزيز، فإننا هالكان لا مجال للشك


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

 رواية علياء الكاتب سعيد الشوادفي إهداء   أكتب إليكِ لأخبركِ بحبي أكتب إليكِ يا من سألوني الناس عنكِ ذات يوم قالوا حدثنا عنها فقلت: هل رأيتم ملاك يوماً قالوا لا تستطيع العيون رؤيته. قلت بقلبٍ عاشقُ ولهانُ: إذن كيف أحدثكم عن مخلوقٍ لم تراه عين؟   سعـيد الشوادفي   m   بداخل كل منّ ناقد يرفض السلبيات، ويتمنى أن يرى بلده أجمل بلدان العالم، أرجوا أن تقرؤوا تلك الكلمات بصدر رحب وأن تنظروا لمّ هو بين السطور، وتتأملوا في جملة تقررت كثيراً في هذه الرواية (ربما يكمن الخير في شرٍ نراه) واسألوا أنفسكم كما سألت نفسي كثير. هل من الممكن أن يكون الخير في أشياءٍ نراها مملوءة بالشر!؟ سعيد الشوادفي     استهلال   انتهى اليوم الدراسي، خرجت علياء من المدرج وهي تتأبط ذراع سناء، تمشي بجوارها في وهن شديد، خرجتا من بوابة الكلية واتجهتا إلى محلات الألعاب والهدايا، وفجأة ضحكت علياء بهستيريا كطفلة صغيرة، سألتها سناء بدهشة وعجب: لماذا تضحكين كالأطفال أيتها الفتاة المتقلبة المزاج!؟ ــــ تذكرت لحظة الصباح يا صديقتي العزيزة، كان بيننا و...

لسنا اللصوص

لسنا اللصوص  قصة قصيرة بقلم/ سعيد الشوادفي في ليلة من ليالي الصيف الحارة المملوءة بالناموس والكثير من الحشرات الطائرة، جلست أطالع الأخبار لأرى آخر المستجدات في هذا الوباء المدعو (كوفيد 19) أو (الكورونا) الذي قطع علينا سُبل الرزق والعمل، وفجأة وقع على قلبي قرار الحكومة كالصاعقة، كيف تمنع تراخيص البناء لمدة ستة أشهر، كيف سأحيا أنا وزوجتي وأبنائي الثلاثة ومصدر دخلي الوحيد هو العمل اليومي كعامل بناء رغم الشهادات المعلقة على الجدران، تجهم وجهي وامتلئ قلبي بالهموم رغم ثقتي في الله بأنه سوف يسوق لي رزقي ورزق عائلتي سوقاً فهذا ظني بالله، انسحبت في هدوء ممزوج بالألم، دخلت غرفة نومي وأنا أكابد البكاء، أغلقت زوجتي التلفاز وأخذت الأطفال إلى غرفهم ثم جاءت لي مبتسمة كعادتها منذ أن كنا صغارا، هي جارتي وحب عمري وأنا أحفظ أدق تفاصيلها، جلست بجواري في هدوء نسمة صيف ثم قالت بهمسٍ: ما بك يا زوجي الحبيب؟ لمّ كل هذا الحزن بعينيك؟ ـــ آه يا أم رقية. ماذا أقول؟ أليس في حكومتنا رجلُ رشيد!؟ ألم يعلمون أن ثمانين بالمائة من أبناء هذا الشعب الكادح، مصدر رزقه الوحيد هو العمل في مجال المعمار الذي أوقفوه ...

باقة توليب

باقة توليب مع دقات الساعة معلنة عن الثامنة صباحاً، أستيقظ سعيد على صوت زوجته دانة قائلة: حبيبي. لقد اقترب العيد ولم نشتري الأضحية حتى الآن، هل قررت أننا لن نضحي هذا العام؟ أم بخلت عليّ بثواب الأضحية؟ نظر إليها بعينين واهنتين من أثر النعاس، وعلى شفتيه ابتسامة باهتة، ثم نهض من الفراش وذهب إلى الحمام دون أن يعقب على ما قالت له، جلست دانة على حافة السرير وهي في دهشة من أمر زوجها وبداخلها ألف سؤال وسؤال، وضعت وجهها بين كفيها، لتواري العبرات التي أعلنت الثورة في عينيها البنيتين، والمضي في طريقها نحو الأرض، مرت دقائق وكأنها أعوام ودهور، خرج سعيد من الحمام وجد زوجته ما زالت قابعة على حالها، بدل ملابسه ثم هم بالخروج ليذهب إلى عمله في وزارة العدل وكأنه لم يراها، قبل أن يخرج من باب الغرفة سمع صوتها وكأنه أت من عالم بعيد، تسمرت قدماه بالأرض دون أن يلتفت لها، أردفت له قائلة: أما زلت تلومني على شيء قد أختاره الله لي؟ أتلومني على أنني ممن كتبهن الله عقيم؟ ما لك لا تتحدث معي؟ ما لك لا تنظر لي؟ ألم يعد وجهي دنياك؟ ألم يعد أحب الوجوه إليك؟ أين كلام الحب الذي كنت تغدقني به في الصباح وفي المساء؟ لم يل...