التخطي إلى المحتوى الرئيسي

باقة توليب

باقة توليب


مع دقات الساعة معلنة عن الثامنة صباحاً، أستيقظ سعيد على صوت زوجته دانة قائلة: حبيبي. لقد اقترب العيد ولم نشتري الأضحية حتى الآن، هل قررت أننا لن نضحي هذا العام؟ أم بخلت عليّ بثواب الأضحية؟ نظر إليها بعينين واهنتين من أثر النعاس، وعلى شفتيه ابتسامة باهتة، ثم نهض من الفراش وذهب إلى الحمام دون أن يعقب على ما قالت له، جلست دانة على حافة السرير وهي في دهشة من أمر زوجها وبداخلها ألف سؤال وسؤال، وضعت وجهها بين كفيها، لتواري العبرات التي أعلنت الثورة في عينيها البنيتين، والمضي في طريقها نحو الأرض، مرت دقائق وكأنها أعوام ودهور، خرج سعيد من الحمام وجد زوجته ما زالت قابعة على حالها، بدل ملابسه ثم هم بالخروج ليذهب إلى عمله في وزارة العدل وكأنه لم يراها، قبل أن يخرج من باب الغرفة سمع صوتها وكأنه أت من عالم بعيد، تسمرت قدماه بالأرض دون أن يلتفت لها، أردفت له قائلة: أما زلت تلومني على شيء قد أختاره الله لي؟ أتلومني على أنني ممن كتبهن الله عقيم؟ ما لك لا تتحدث معي؟ ما لك لا تنظر لي؟ ألم يعد وجهي دنياك؟ ألم يعد أحب الوجوه إليك؟ أين كلام الحب الذي كنت تغدقني به في الصباح وفي المساء؟ لم يلتفت إليها خشية أن ترى ما ظهر بعينيه من ألم، بدأ يتحرك في تثاقل شديد وكأن ما سمعه من فيه زوجته قد أصبح كثقل الجبال على كاهله، قبل أن يصل إلى الباب الرئيسي سمعها تناديه بغضب قائلة: سعيد! وقف مكانه دون أن يلتفت إليها مرة أخرى، زاد الغضب بداخلها وتأججت النيران بقلبها المسكين، ارتفع صوتها قائلة: طلقني يا سعيد.. طلقني كي تستريح وأستريح أنا أيضا.. وقعت الكلمة على قلبه كالصاعقة، ولكنه مضى في طريقه دون أن يلتفت أو ينبس ببنت شفة. جلست دانة تبكي بكاء شديد، تذكرت يوم أن رآها سعيد أول مرة في محل الورد وهي تشتري باقة من التوليب، فهو أحب الزهور إليها، تذكرت صدق ابتسامته، وعمق نظراته التي اخترقتها حتى النخاع، تذكرته حينما اقترب منها هامساً برقة وحنان: سيدتي. هل لي أن أسألك لما التوليب؟ ـــ لأنه يشبهني في صفاء الروح وصدق الإحساس.. لأنه يشبهني في نضرته وقدرته على التحمل ولا يذبل إلا بعد أن تنقطع به السُبل، أعشقه لأنه يخبرني بأن الحياة لا تنتهي مع الخريف بل تأتي، فهو يبدأ حياته في بداية فصل الخريف. أعشقه لتحمله برد الشتاء، أعشقه لعناده ومقاومته حتى بعد قطفه يظل مدة طويلة محافظاً على نضارته وجماله. أعرفت سيدي لما التوليب! ـــ نعم عرفت أيتها الصافية الجميلة.. قبل أن يبتعد عنها خطوة، سمعت هي همسه بداخل تلك المضغة القابعة بين أضلعه قائلاً: عرفت لما التوليب أيتها الفاتنة الساحرة.. نعم عرفت أيتها القوية العنيدة. حينها علمت دانة أنها ما خُلقت إلا من ضلع هذا الرجل، بعد أن تركها تكمل رسم باقتها، وقبل أن يبتعد عنها خطوات قليلة، سمع تنهدات وهمس بداخل قلب قلبها. سمعها تهمس بشوق قائلة: كأنك جئت تبحث عني لأكملك وأكتمل بك. التفت إليها قائلاً بدهشة: أقلتِ شيء سيدتي!؟ ــ أنا! لا. لا لم أقل شيء. مضى سعيد في طريقه خارج المحل، وإذا بصوت البائع قائلاً: لم تأخذ باقتك يا أستاذ سعيد. التفت إليه قائلاً: سامحني يا عم ريحان لقد نسيت. فقد شعرت بدوار فجأة، مد له يده بمبلغ من المال، ثم أخذ منه الزهور وأنصرف، امتلئ وجه دانة بالدهشة، سألت ريحان قائلة: أسمه سعيد! لقد سمعتك تناديه سعيد. ابتسم ريحان قائلاً: نعم يا أستاذة دانة أسمه سعيد ولكنه لم يأخذ من السعادة غير الأسم. ــ أحكي لي يا عم ريحان.. منذ متى وسعيد يشتري منك التوليب؟ تنهد ريحان قائلاً: آه يا بُنيتي.. يشتريه مني منذ زمن بعيد، كان يأخذ مني كل يوم باقة التوليب، وكأنه يهديها لفتاة رائعة الحسن فائقة الجمال، أو هكذا فكرت حينها وسألته ذات يوم ولكن.. لكن ماذا يا عم ريحان؟ ــ ليتني ما سألته يا بُنيتي. ازدادت الدهشة وظهر الفضول على وجه دانة.. أردفت قائلة بابتسامة زائفة: ــ ألم تكن الفتاة بقدر جمال التوليب يا عم ريحان؟ بل كانت أجمل من زهور التوليب لدرجة أنني كنت أحتار في اختيار الزهور، فكيف تُهدىّ الزهور لمن تفوقها جمال يا ابنتي؟ لمعت عيني دانة وجلست على المقعد الوحيد داخل محل عم ريحان قائلة: كانت!؟ هل افترقا يا عم ريحان، ربت الرجل على كتفها قائلاً: نعم يا ابنتي افترقا فراق ليس بعده لقاء ولكن.. لكن ماذا يا عم ريحان؟ ــ آه يا ابنتي. أتدرين من كانت!؟ قبل أن تجيب قال بعينين دامعتين: كانت أمه يا ابنتي، يوم أن سألته، جلس على هذا المقعد كما أنتِ جالسة عليه الأن، نظر إليّ بعينيه الدامعة ثم قال: ـــ أُهديها للمرأة الوحيدة في حياتي يا عم ريحان، أضعها بجوار أمي في المستشفى، فهي مريضة تصارع الموت، مريضة بالمرض اللعين الذي لا يرحم، مريضة كبد ولا أمل لها في النجاة، وأريد أن أملأ ما بقي لها من حياة بالورد والجمال، مرت الأيام وانقطع سعيد عن الحضور إليّ كما تعود كل يوم، حينها علمت أن أمه قد ماتت، لم يحضر منذ ذلك الوقت إلا اليوم، فقد مر عام على وفاة والدته واليوم ذكرى رحيلها. دمعت عيني دانة ثم قامت راحلة وهي تهمس قائلة: فليرحمك الله يا أمي، قبل أن تخرج من الباب الخشبي الصغير، سمعت صوت عم ريحان قائلاً: أستاذة دانة. لقد نسيتِ أنتِ أيضاً زهورك، بابتسامةٍ تزاحمها الدموع قالت: شكراً يا عم ريحان، لا أدري ماذا أصابني اليوم. ابتسم الرجل قائلاً: أنتِ لا تعلمين يا ابنتي، ولكنني الآن بت أعلم يقيناً، لمّ جئتما اليوم إلى هنا. خرجت دانة ولم تعقب على كلمات عم ريحان، وهنا انتزعها صوت الهاتف، نظرت حولها في دهشة فإذا بها في غرفة نومها، مسحت عينيها قائلة: إنها الذكريات الجميلة، لم ينقطع سعيد يوماً عن إهداءي التوليب في كل المناسبات وغير المناسبات. فكم قال لي دوماً أنتِ لي كل النساء، ربما يوجد بي شيء يذكره بأمه ومن أجله تزوجني. أمسكت الهاتف وفتحت المكالمة وهي تغالب الدموع الساخنة بين شطآن عينيها، قبل أن تنبس ببنت شفة سمعت صوت والدها قائلاً: اقترب العيد. يا عيد كل من حولك، ابتسمت دانة قائلة: لم أعد عيده يا أبي. ــ ماذا تقولين؟ بل أنتِ عيده، وبدون وجودك في حياته، لا عيد له، ثم استطرت قائلاً: إن لم تكوني له كل الأعياد، لمّ أخضر لي عجلُ ثمين بالمزرعة، وطلب من الخفير أن يهتم به كثيراً لأنه أضحيتك الخاصة! ــ أحضره اليوم بعد أن ذكرته به يا أبي. من قال إنه لم يحضره إلا اليوم، لقد أحضره منذ شهر أو يزيد يا دانة، ربما لم يخبركِ لتكون مفاجأته لكِ يوم العيد.. لم تنبس ببنت شفة، استطرت والدها قائلاً: أرجوكِ لا تخبريه يا ابنتي أنكِ تعلمين بأمر الأضحية، وليسامحني الله. مرت الأيام وأقترب العيد وما زال سعيد منشغل عن حب حياته، لم يعد يقضي في البيت إلا ساعات قليلة، لا تدري الزوجة المسكينة أين يذهب، وأين يقضي أيامه ولياليه. جاء العيد وذهبا سوياً لأداء صلاة العيد في الخلاء كما تعودا منذ أربع أعوام، بعد أن انتهت الصلاة عادا إلى البيت، وجدت دانة خفير مزرعة والدها في انتظارهما أمام البيت ومعه عجلُ ثمين وبجواره يقف الجزار، ضحكت من قلبها وهللت كالأطفال، كأنها لم تصدق كلام أبيها إلا الآن، احتضنها سعيد قائلاً: حبيبتي. لم ننتهي بعد. بعد أن ذبح الجزار الأضحية وأشرفت دانة على تقطيعها وتوزيعها كاملة، قامت واغتسلت ثم لبست أجمل الثياب، أصبحت بكامل أناقتها وحيويتها، ذهبت بصحبة زوجها لزيارة أقاربه وأقاربها، قضت في بيت والدها وقت طويل، ملئت لهم البيت فرحاً وبهجة كما تفعل الأطفال، ظلت تضحك وتمرح حتى اقتربت الساعة من منتصف الليل، عادت إلى البيت وهي تلوم نفسها على ما قالته لزوجها منذ أيام، قررت أن تعتذر له عن سوء ظنها، حينما دلفا من باب حجرة النوم وقبل أن يبدل سعيد ملابسه همست له بحبٍ وود قائلة: حبيبي. أريد أن أتحدث معه في شيء يثقل صدري.. ابتسم لها ابتسامة صافية ثم ضمها إليه هامساً: حبيبتي. ما زالت الأيام قادمة، والآن هيا نغير ملابسنا وننام، فقد كان يومنا مليء بالإرهاق والتعب. دخل سعيد الحمام المقتطع من غرفة النوم، فتح الماء ودخل تحته ليمحو به أثار السفر والتعب، حينما خرج وجد دانة قد نامت وهي جالسة على المقعد دون أن تغير ملابسها، ابتسم وحملها برفق حتى لا تستيقظ، وضعها على السرير وطبع قبلة فوق جبينها هامساً: كم أحب براءة الأطفال في وجهك حبيبتي.. نزع الحذاء من قدميها ثم نام بجوارها وهو ناظراً إلى وجهها الجميل.. مر الليل سريعا، استيقظ سعيد قبيل الفجر، أمسك يد دانة قبلها ثم قبل جبينها هامساً: هيا استيقظي أيتها الكسولة سيضيع الفجر منكِ.. فتحت زوجته عينيها مبتسمة ثم قالت: صباح الخير يا كل الخير. ــ صباحي أنتِ ابتسمت قائلة: إلى متى ستظل تضعني في السرير كالأطفال؟ ــ حتى آخر العمر يا كل العمر وسر الحياة. ذهب سعيد إلى المسجد لأداء صلاة الفجر، بعد أن انتهت الصلاة عاد إلى البيت، وجد دانة ما زالت قابعة في محرابها تناجي ربها وتبوح له بما يختلج به صدرها، مر الوقت وفي السابعة أردف لها قائلاً: هيا ارتدي ملابسكِ فلدينا اليوم زيارة هامه.. علمت أنه يريد زيارة قبر أمه، لبست أجمل الثياب دون أن تنبس ببنت شفة، خرجا من البيت وأغلق سعيد الباب بإحكام، ركبا السيارة وبدأ التحرك، وبعد برهة من الوقت كانت المفاجأة، لم يذهبا إلى المقابر، همست دانة قائلة: ألن نذهب لزيارة قبر أمي!؟ ابتسم قائلاً: حبيبتي. اليوم هو للأحياء وإدخال البهجة والفرحة على قلوبهم، لمّ نذهب إلى المقابر اليوم؟ هل انتهت الأيام؟ أم أشرقت الشمس من اتجاه الغروب!؟ أسندت رأسها على كتفه ولم تعقب، مر الوقت وإذا بالسيارة تدلف من بوابة مطار القاهرة، تذكرت دانة يوم أن طلب منها زوجها أن تستخرج جواز سفرها ولم تراه بعد أن أخذه منها منذ شهور، لم تسأل إلى أين سيذهبان، استسلمت وأمسكت بيد زوجها، صعدا سلم الطائرة فأغلقت أبوابها على الفور، ارتفعت الطائرة تحلق فوق السحاب، لم يكن بها غيرهما، أمسكت بيده بقوة ونامت فوق كتفه كطفلة صغيرة تنام على صدر أبيها، سبحت في الماضي البعيد يوم أن تعرف بها بعد اللقاء بمحل عم ريحان، تذكرت يوم أن طلبها للزواج في حفلة زفاف شقيقتها الوحيدة أمام كل الحضور، تذكرت كيف جثا على ركبتيه أمام كل الحضور مقدماً لها باقة التوليب قائلاً: هل تقبل العنيدة الزواج بي!؟ ابتسمت وزادت قبضتها على ذراع سعيد، رفع يدها وقبلها قائلاً: أعرف لمّ تبتسمين. وهنا هبطت الطائرة في مطار الغردقة، نزلا سوياً، كانت سيارة خاصة في انتظارهما، دلفا بداخلها وانطلقت السيارة تسابق الرياح، بعد وقت قليل توقفت بهما بجوار فيلا على شاطئ (أولد فيك) الذي يتميز بالمياه الفيروزية الصافية والرمال البيضاء الناعمة.. دلفا للداخل وأسرعت دانة باستكشاف غرف الفيلا، وجدت غرفة نوم كبيرة تطل على البحر، وجدت ملابس كثيرة تملأ السرير المستدير وسط الغرفة، وجدت على الملابس باقة توليب وبداخلها ورقة كبيرة، فتحت الورقة تقرأ ما بها، فغرت فيها لحظة ثم قالت: عقد الفيلا باسمي!؟ ابتسم سعيد قائلاً: لمّ لا وأنتِ لي كل الحياة. اقتربت منه واحتضنته بحنان قائلة: دعني أعتذر لك وأبوح لك بسري الصغير. احتضنها بقوة قائلاً: قدمي لي باقة توليب ولا تكشفي لي ما ستره الله عني، دعي الأسرار لرب الأسرار يا حب العمر وعشق الروح.. مرت الأيام وذات يوم وهما يمرحان على الشاطئ، ترنحت دانة وكأنها أصيبت بضربة شمس، قبل أن تسقط فوق الرمال، التقطها سعيد بلهفة وخوف، حملها مسرعاً إلى مستشفى الشاطئ، مرت الدقائق كالأعوام وهي ما زالت قابعة داخل غرفة الكشف، وفجأة خرجت الطبيبة مبتسمة ثم قالت: لمّ كل هذا الخوف يا سعيد بك!؟ دانة هانم بخير اطمئن. إنها.. ـــ إنها ماذا أرجوكِ تكلمي. إنها حامل وسوف تنجب توأم بإذن الله.. دخل عليها الغرفة ودموعه تغلب ابتسامته، ضمها إليه وكأنه يريدها أن تذوب في كل خلاياه، ثم همس لها قائلاً: ستنجبين لنا دانة الصغيرة. ابتسمت قائلة: والأخرى ماذا تكون!؟ هز رأسه قائلاً: ستكون دانة أيضاً. فأنا لا أريد غيرك. فأنتِ لي كل الجواهر واللؤلؤ.
ملاحظة (اسم دانة هو اللؤلؤ الأفضل حجماً وقيمة وجمال)
ســ الشوادفي ــعيد

x

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

 رواية علياء الكاتب سعيد الشوادفي إهداء   أكتب إليكِ لأخبركِ بحبي أكتب إليكِ يا من سألوني الناس عنكِ ذات يوم قالوا حدثنا عنها فقلت: هل رأيتم ملاك يوماً قالوا لا تستطيع العيون رؤيته. قلت بقلبٍ عاشقُ ولهانُ: إذن كيف أحدثكم عن مخلوقٍ لم تراه عين؟   سعـيد الشوادفي   m   بداخل كل منّ ناقد يرفض السلبيات، ويتمنى أن يرى بلده أجمل بلدان العالم، أرجوا أن تقرؤوا تلك الكلمات بصدر رحب وأن تنظروا لمّ هو بين السطور، وتتأملوا في جملة تقررت كثيراً في هذه الرواية (ربما يكمن الخير في شرٍ نراه) واسألوا أنفسكم كما سألت نفسي كثير. هل من الممكن أن يكون الخير في أشياءٍ نراها مملوءة بالشر!؟ سعيد الشوادفي     استهلال   انتهى اليوم الدراسي، خرجت علياء من المدرج وهي تتأبط ذراع سناء، تمشي بجوارها في وهن شديد، خرجتا من بوابة الكلية واتجهتا إلى محلات الألعاب والهدايا، وفجأة ضحكت علياء بهستيريا كطفلة صغيرة، سألتها سناء بدهشة وعجب: لماذا تضحكين كالأطفال أيتها الفتاة المتقلبة المزاج!؟ ــــ تذكرت لحظة الصباح يا صديقتي العزيزة، كان بيننا و...

لسنا اللصوص

لسنا اللصوص  قصة قصيرة بقلم/ سعيد الشوادفي في ليلة من ليالي الصيف الحارة المملوءة بالناموس والكثير من الحشرات الطائرة، جلست أطالع الأخبار لأرى آخر المستجدات في هذا الوباء المدعو (كوفيد 19) أو (الكورونا) الذي قطع علينا سُبل الرزق والعمل، وفجأة وقع على قلبي قرار الحكومة كالصاعقة، كيف تمنع تراخيص البناء لمدة ستة أشهر، كيف سأحيا أنا وزوجتي وأبنائي الثلاثة ومصدر دخلي الوحيد هو العمل اليومي كعامل بناء رغم الشهادات المعلقة على الجدران، تجهم وجهي وامتلئ قلبي بالهموم رغم ثقتي في الله بأنه سوف يسوق لي رزقي ورزق عائلتي سوقاً فهذا ظني بالله، انسحبت في هدوء ممزوج بالألم، دخلت غرفة نومي وأنا أكابد البكاء، أغلقت زوجتي التلفاز وأخذت الأطفال إلى غرفهم ثم جاءت لي مبتسمة كعادتها منذ أن كنا صغارا، هي جارتي وحب عمري وأنا أحفظ أدق تفاصيلها، جلست بجواري في هدوء نسمة صيف ثم قالت بهمسٍ: ما بك يا زوجي الحبيب؟ لمّ كل هذا الحزن بعينيك؟ ـــ آه يا أم رقية. ماذا أقول؟ أليس في حكومتنا رجلُ رشيد!؟ ألم يعلمون أن ثمانين بالمائة من أبناء هذا الشعب الكادح، مصدر رزقه الوحيد هو العمل في مجال المعمار الذي أوقفوه ...