التخطي إلى المحتوى الرئيسي

 رواية علياء

الكاتب سعيد الشوادفي

إهداء

 أكتب إليكِ لأخبركِ بحبي

أكتب إليكِ يا من سألوني الناس عنكِ ذات يوم

قالوا حدثنا عنها فقلت:

هل رأيتم ملاك يوماً

قالوا لا تستطيع العيون رؤيته.

قلت بقلبٍ عاشقُ ولهانُ:

إذن كيف أحدثكم عن مخلوقٍ لم تراه عين؟

 

سعـيد الشوادفي

 

m

 

بداخل كل منّ ناقد يرفض السلبيات، ويتمنى أن يرى بلده أجمل بلدان العالم، أرجوا أن تقرؤوا تلك الكلمات بصدر رحب وأن تنظروا لمّ هو بين السطور، وتتأملوا في جملة تقررت كثيراً في هذه الرواية (ربما يكمن الخير في شرٍ نراه) واسألوا أنفسكم كما سألت نفسي كثير.

هل من الممكن أن يكون الخير في أشياءٍ نراها مملوءة بالشر!؟

سعيد الشوادفي

 

 

استهلال

 

انتهى اليوم الدراسي، خرجت علياء من المدرج وهي تتأبط ذراع سناء، تمشي بجوارها في وهن شديد، خرجتا من بوابة الكلية واتجهتا إلى محلات الألعاب والهدايا، وفجأة ضحكت علياء بهستيريا كطفلة صغيرة، سألتها سناء بدهشة وعجب:

لماذا تضحكين كالأطفال أيتها الفتاة المتقلبة المزاج!؟

ــــ تذكرت لحظة الصباح يا صديقتي العزيزة، كان بيننا وبين الموت لحظات، أما الآن فأنا أفكر بمكر شديد، في حيلة تجعل قلب ورد يقفز من بين أضلعها، حتى لا تنسى يوم مولدي في العام القادم.. ثم استطردت:

أيصعب عليهم تذكر يوم من كل عام؟ أتعجز ذاكرتهم عن أدراك يوم الثالث والعشرين من شهر أبريل!؟

ضحكت سناء بصوتٍ عالِ قائلة:

وما الجديد فيمّ تفعلين أيتها الفتاة المجنونة!؟

ثم قالت بهمسٍ:

أتذكرين يوم أن جعلتني أفقد وعي، يوم أن ارتديتِ قناع الشيطان وأظافره الطويلة!؟ يوم أن اختبأت خلف باب الفصل، كنا ما زلنا أطفال في الصف الخامس الإبتدائي، وبعد أن استعدت وعي من جديد، وجدت أستاذة عفاف تعنفك بشدة، صرخت فيها قائلة:

ما لكِ بأختي، أتركيها وشأنها، يومها ضحكت الأستاذة وهي تضرب كفاً بكفٍ، ثم نظرت لي بدهشة وقالت:

أبعد أن كادت تقتلكِ ما زلتِ تدافعين عنها أيتها الطفلة!؟

ابتسمت علياء ثم قالت بصوت أشبه بصوت الأطفال:

نعم أدافع عنها، هي أختي ولتفعل بي ما تشاء.

ثم استطردت:

أما زلتِ تذكرين تلك الأيام يا سناء!؟

ـ هل نستطيع نسيان أيام البراءة والطُهر يا علياء!؟

ـ هل نستطيع نسيان ما حُفر في ذاكرة القلب!؟

************

 

الفصل الأول

العذاب القاتل

في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، في قرية روضة المحبين التابعة لمحافظة كفر الشيخ، إحدى محافظات الدلتا بمصر، جلس علاء في غرفته يهمهم في نفسه وهو يفرك يديه قائلاً:

آه من شوق قلبي وعشق هواي.. ترى هل ما زلت بعقلي؟ أم أصبحت كالمجنون الذي لم يعد يدرك ما حوله.. آه من عذاب قلبي ولوعته، هل أنا في حلم أرفض الاستيقاظ منه؟ آه. هل أهوى العذاب وأبحث عنه؟ جلس وقلبه ينبض نبضات يملأها الحب والعذاب، نعم هما الكلمتان اللتان يملأن قلب علاء وتشعر بهما حبيبة قلبه علياء تراهم بعينيه، تشعر بهما من لمسات يديه إن جمع بينهما لقاء عابر، تجذبه إليها بكلماتها العذبة الرقيقة، ولكنه يبتعد عنها. يتجاهلها رغم حبه المجنون لها، إنه يعرف قدره وقدرته، يرى الفارق المادي بينهما بأم عينيه. لا يعرف المسكين ماذا يفعل؟ عاش بالعذاب وحده، لم يفصح عما بداخله لأحد. فضل الوحدة والانطواء على الذات بعيداً عن عيون البشر.. كلم نفسه كثيراً وسأل نفسه ألف سؤال وسؤال؟ لماذا علياء؟ لماذا هي من أخذت قلبي وملكت عقلي وفكري؟ لماذا هي التي أحببتها من بين كل الفتيات والنساء؟ آه من عذابي وحيرتي. آه من شوقي إليها ولهفتي! يا ليتكِ علياء الشوق تعلمي كم أحبك وأشتاق إليكِ، حبكِ أنتِ حبيبتي يجري في كل أوردتي وقطرات دمي.

مرت الليلة وتعاقبت خلفها الليالي والأيام، لم يهدأ الشوق ولم يبرح الألم قلب علاء، وكما هي العادة أختلى بنفسه بعيداً عن عيون كل الناظرين، بدأ يحدث نفسه في حيرة وألم قائلاً:

اليوم أرحل عنها. أسافر وأبتعد كثيراً عنها كي أهجر حبها وأنساها. ولكن كيف أنساها؟ فهي تملكني. تنبض بداخلي، أتنفسها أحتضنها بين دقات وجداني، أعشقها بكل مشاعري وإحساسي. ولكن ماذا أفعل؟ رغم حبي وأشواقي لابد أن أرحل بعيداً حتى يتوارى الشوق ويبرأ قلبي من الألم، يجب أن أعبر كل الحدود لتتسع المسافات بيننا ويطوي الفراق صفحات حبها بداخلي، تمر الأيام متثاقلة كئيبة، وبعد كل هذا العذاب قرر الرحيل والابتعاد مهما كلفه الرحيل من عذاب وألم.

************

ذات يوم وبلا مقدمات. جهز علاء حقيبة سفره الصغيرة. وضع بها بعض الملابس الشتوية والغيارات، عندما رأته أمه دمعت عينيها لقلة الحيلة وقصر ذات اليد.. دخلت عليه غرفته قبل أن ينتهي من تجهيز الحقيبة، نظرت إليه بعطف شديد وحنان، وجدت الدموع والحيرة تملأ عينيه الذابلة، سألته بصوتٍ واهن قائلة:

ماذا تفعل يا علاء؟

نظر إليها وقد سالت من عينيه بعض العبرات ثم قال:

إني راحل يا أمي.

اردفت الأم قائلة بعجب:

راحل! إلى أين الرحيل يا قلب القلب!؟ إلى أين الرحيل يا سندي في الحياة وعوني! لم يستطع علاء التماسك أمام كلمات أمه التي أدمت قلبه بداخله.. ألقى جسده المتهالك بين أحضانها وترك الحرية التامة لدموعه كي تنزف من بين أجفانه كيفما تشاء، احتضنته أمه بقوة وكأنها تريد أن تجعله طفلُ صغير بين أحشاءها من جديد.. مسحت دموعه براحة يدها، وبابتسامة هزيلة أردفت قائلة:

هل تستحق كل هذه الدموع والألم يا بن قلبي!؟

أردف إليها علاء بحبٍ وشوق قائلاً:

نعم تستحق يا أمي. هي الربيع في حياتي البائسة، هي الشمس في سمائي الملبدة بالغيوم، هي الدفء في برودة الشتاء، هي قمري المنير في سمائي المظلمة رغم سطوع الشمس، هي يا أمي كل الحياة.. بعد برهة، مد علاء يده وحمل حقيبته الصغير، وقبل أن ينصرف أمسكته أمه من يده في محاولة منها أن تمنعه، ولكنه زاد عناد وإصرار على الرحيل، لم تستطيع ريحانة أن تمنعه أو تجعله يغير رأيه، كيف تمنعه وهي تعلم جيداً، أنه لا بديل عن الرحيل، تركته يرحل ولكن! مع كثيراً من الدعاء.

************

في اليوم التالي من رحيل علاء، استيقظت الأم مبكراً دامعة العينين، توجهت نحو الحمام كي تتوضأ وتصلي، وتغسل عن عينيها أثر الدموع وتجهز للعائلة الإفطار، بعد أن اغتسلت ريحانة وصلت ركعتي الضحى، دخلت المطبخ الصغير، أشعلت الغاز لتسخين الطعام وإعداد المائدة الصباحية، في هذه الأثناء قد استيقظت ابنتها أميرة، دخلت عليها المطبخ وهي تمشي على أطراف أصابعها.. احتضنتها من الخلف قائلة:

ما بكِ يا أم الغالي!؟ لمّ البكاء في الصباح!؟ أنسيت كلماتك لنا ونحن صغار عندما كنا نبكي حتى لا نذهب إلى المدرسة، كنتِ تقولين بكاء الصباح يجلب علينا سوء الحظ وضيق الأفق وغيره الكثير والكثير. فلمّ تبكين أنتِ الآن إذن؟ لا تخافي يا أم الغالي لن نأخذكِ إلى المدرسة غصب عنكِ.. ابتسمت الأم ابتسامة غارقة في الدموع قائلة:

لقد أفزعتني أيتها الفتاة المشاغبة.. ثم استطردت بصوتٍ حانٍ:

لن تتغيري أبداً يا أميرتي. سوف تظلي طفلة كبيرة رغم أنكِ الآن على أعتاب الجامعة.. ضحكت أميرة ببراءة الأطفال قائلة:

وما ضَري أن أظل طفلة يا ريحانة قلوبنا ولكن. دعكِ مني وقولي لي لمّ البكاء في هذا الصباح؟ مسحت الأم دموعها ووسعت ابتسامتها قائلة:

أشعر بوخز في قلبي يا أميرة، أشفق على أخيك وما يعانيه دون أن يشاركنا فيمّ يُألم قلبه المسكن. هو دوماً يحمل أحزانه وآلامه بداخله دون أن يشارك معه فيها أحد.

همست أميرة قائلة:

أهذا كله من ليلة قضاها الغالي بعيداً عنكِ يا أم علاء!؟ ما بالك إن مر عام أو عامين على غيابه ماذا ستصنعين! نظرت الأم لابنتها ثم قالت بأسى:

لا تقولي مثل هذا الكلام يا أميرة، قلبي لا يحتمل غياب أحدكم عن عيني لحظة، كيف احتمل الغياب أعوام.. نظرت أميرة إلى وجه ريحانة ثم قالت بجدية:

أمي. اعلمي أن علاء لم يعد الطفل المدلل، قد أصبح الآن رجل، قد تخرج من الجامعة ولابد أن يسافر كباقي شباب هذه البلدة البائسة، أرجوكِ يا أمي أن تتعاملي مع الوضع على هذا النحو. أسفه يا أمي. أعلم أن كلماتي تؤلم قلبك، ولكن هذا هو الواقع المر.. نظرت إليها أمها بعينين دامعتين قائلة:

هيا نضع الأطباق على المائدة، لقد استيقظ أبيكِ وباقي أفراد العائلة.. ضحكت أميرة ضحكات مكتومة دون أن تنبس ببنت شفة، كأنها تعلم أن أمها تهرب من هذا الواقع الغض، الذي فرض نفسه على كثيراً من أبناء الفقراء.

************

ذهب علاء إلى إحدى المدن الساحلية، لعله يجد فيها عمل ينسيه ما هرب منه، ولكن هل سيستطيع النسيان؟ هل بوجود الفتيات الأجنبيات أمام عينيه، سيظل يفكر في علياء حبيبة القلب وروح الجسد المتهالك من الحب وعذابه الجميل. هل سيزداد عشقاً وجنوناً.. أم ستهدأ نار الحب المؤججة بداخله.. بدأت الأيام تمر هادئة مطمئنة، وذات يوم كان علاء جالس في عمله كفرد آمن في القرية السياحية الذي عمل بها، جالس سارح الفكر زائغ العينين، بدأ في النظر إلى الفتيات الأجنبيات اللائي يُظهرن من أجسادهن أكثر مما يسترونه بالملابس الشفافة. كان عمله في الليل، والليل دوماً مرتع الشياطين من الإنس والجان، بدأت الأفكار الخبيثة تراوده وتسكن قلبه العاشق، تمر الفتيات أمام عينيه وهن يضحكن بميوعة وتمايل، لمعة عينيه وسأل نفسه قائلاً:

لمّ لا أصنع مع إحداهن علاقة من العلاقات المحرمة التي تفوح رائحة العفن منها في هذا المكان؟ لمّ لا أصنع مع إحداهن صداقة، لعلها تأخذني معها إلى بلدتها وهي عائدة، ربما تنقذني من براثن الفقر وعذاب الحب.. وفجأة انتفض علاء من مجلسه وكأن حية قد لدغته، تذكر علياء ووجهها الصافي كالسماء الخالية من الغيوم، تذكر براءة الأطفال في عينيها الجميلة، عاتب نفسه بقسوة قائلاً:

ويحك أيها القاسي. أين ذهب تدينك وإسلامك!؟ كيف تستسلم لتلك الأفكار الشيطانية؟ كيف تفكر بعقل مريض هكذا؟ أتبيع كل القيم والمبادئ من أجل المال؟ تباً لي إن أصبحت بين الناس قديس وبين نفسي شيطان مريد.. ظل علاء طوال الليل يغدو ويروح حتى انتهت ساعات الليل وجاءت أولى ساعات الفجر، سلم العمل إلى زميله وراح يجري إلى أقرب مسجد يصلي، لعله يبرأ من دنس الأفكار القبيحة التي تسكن قلبه وعقله.

************

مرت الأيام والشهور على رحيل علاء وما زال قلبه يتعذب بين ضلوعه، طال الغياب.. زاد عذابه وكثرة حيرته، ولكنه لم يستطيع أن ينساها، فكيف ينساها وكل يوم يقول سأنساها! قرر أن يعود إليها، يصارحها بكل الحنين والشوق لعينيها، في يوم عطلته الأسبوعية، استيقظ من نومه قبل الظهر، توضأ وذهب إلى المسجد، وبعد أن صلى ذهب إلى شاطئ البحر، جلس وحيداً بعيد عن كل البشر، همس لنفسه قائلاً:

اليوم أعود ولن أرحل عنها بعد اليوم، كلمات تنبض بداخل قلبه الصغير. لن أهرب منها. لن أهجرها. بل سأذهب إليها أصارحها بحبي.. أتكلم معها وأكشف لها عن شوقي وحنيني المدفون بين دقات القلب لعينيها، مرت عليه اللحظات كأنها أعوام ودهور، أذن العصر وهو ما زال قابعاً على حاله، ناظراً إلى مياه البحر وزرقتها، لا يشعر بأقدام الفتيات والشباب من خلفه، ظل جالساً على هذا الحال حتى انتهى النهار وجاءت ساعات الليل وسكونها، نهض من مجلسه وذهب إلى محل إقامته، قضى الليل ساهراً لم يستطيع النوم إلا دقائق قليلة، ذهب الليل، وفي ساعات النهار الأولى، ذهب إلى الشركة وأخبرهم برغبته في العودة إلى أهله حتى يقضي معهم بضع أيام، منحته الشركة خمسة عشر يوماً أجازة، في الصباح الباكر توجه إلى موقف الحافلات، صعد الحافلة وجلس بجوار النافذة يتأمل المدينة وكأنه أول مرة يراها، مر الوقت وأخيراً بدأت الحافلة في التحرك، وبعد لحظات بدأت تنهب الأرض نهبا.

************

ذات يوم كانت الشمس ترسل أشعتها الدافئة من خلف السحب والغيوم، استيقظت علياء وارتدت ملابسها استعداداً للذهاب إلى الجامعة، دخلت عليها أمها غرفتها وجدتها تنظر لنفسها في مرآتها الصغيرة وتضع قليلاً من التبرج، ابتسمت ورد قائلة:

ما شاء الله.. لقد أصبحتِ الآن من فتيات الجامعة، ولكنني ما زلت أراكِ طفلة قلبي.. أصبحتِ كالقمر البازغ في كبد السماء يا قرة العين وروح الفؤاد.. ابتسمت علياء ثم دارت أمام أمها قائلة:

بل أجمل من القمر يا ورد. كيف للقمر أن يتحمل جمال علياء وسحرها!؟ عانقتها أمها بحنان ثم قالت:

حقاً حبيبتي. بل أجمل منه بكثير.. أنتِ ضياء عمري وبسمة روحي.

وسعت ابتسامة علياء ثم استطردت قائلة:

أين ساندويتشات الجبن والمربى يا ورد؟ هل نسيتِ أنها تصاحبني منذ أيام الطفولة؟ ضحكت أمها بصوتٍ عال ثم قالت:

تزمري كما تشائين ولكن أريدك أن تعلمي أنكِ سوف تظلين لي تلك الطفلة المتمردة، وسوف أظل أصنع لكِ تلك الساندويتشات حتى تتزوجين.

تركتها أمها لحظات ثم عادت وهي تحمل بيدها لفائف المأكولات، أخذتها علياء ووضعت قبلة على جبين أمها، ثم خرجت لمقابلة صديقتها سناء عند موقف الباصات الذاهبة إلى الجامعة، أثناء وقوفهما في انتظار الباص كانت المفاجأة التي بدلت ابتسامات علياء إلى تكشيرة وانقباضات في القلب، شعرت بالوهن والعجز عن الوقوف، جلست أرضاً وكأنها في سن التسعين عام، نظرت سناء إليها بدهشة وخوف ثم أردفت بعد برهة قائلة:

ما بكِ يا علياء!؟ لمّ كل هذا العجز والوهن!؟ لمّ شحب وجهك الجميل فجأة!؟

استطردت علياء بصوتٍ كصوت طفلة ما زالت تتعلم كيف تتكلم:

أتسمعين ما أسمع يا سناء!؟  بدأت صديقتها تنصت لمّ يدور حولهما، وفجأة انتزع سناء صوت علياء قائلة:

كل الفتيات تتحدثن عن الباشا فالنتينو عصره.

قالت سناء بدهشة:

ما ذنبه إذن فيمّ يدور هنا!؟ ما ذنبه أن الفتيات جميعاً جعلاه فتى أحلامهن!؟ ثم همست لها بحبٍ قائلة:

ألهذا الجنون تحبيه يا صديقتي!؟ لم تنبس علياء ببنت شفة، احمرت وجنتي سناء وألقت حقيبتها الصغيرة على ركبتي علياء وهي جالسة، اقتربت من الفتيات بضع خطوات وفجأة! صرخت في وجه الفتيات بضيقٍ وغيظ قائلة:

ما لكم أنتن بعلاء!؟ دعوه وشأنه، إنه لن يتزوج منكن أبداً، نظرت الفتيات لبعضهن في دهشة وعجب، أردفت إحداهن بصوتٍ ضعيف قائلة:

أجنت سناء!؟ أم أنها تحبه وتهواه.

قالت أخرى بصوتٍ خافت كضوء الشمس من خلف الغيوم:

إنه من أقاربها وصديقها المفضل. هيا بنا قبل أن تقتلنا سناء، وربما تروي ظمأها بدمائنا.

بعد أن صعدت الفتيات إلى الحافلة، نظرت سناء إلى علياء قائلة:

هيا بنا لنجد لأنفسنا مكان..

لم تجيبها صديقتها ولم تنهض من مجلسها، بدأت السيارة في التحرك، وبعد أن غابت عن أعينهما قالت علياء بوهن:

سناء! أشعر بأنني أختنق. هيا بنا نسير على الطريق ونبتعد عن هذا المكان.

استطردت سناء قائلة:

ما بك يا علياء!؟ لمّ كل هذا الحزن والوهن الذي ظهر عليكِ فجأة؟ أردفت علياء بصوتٍ ملؤه الألم:

لا شيء يا سناء.. أريد أن أمشي.. أريد أن أستنشق الهواء وأشعر أنني حرة. بدأت الفتاتان تمشيان دون أن تنبس إحداهن ببنت شفة.

************

ظل علاء يتأمل الجبال وواحات النخيل، يتأمل اللوحات الإعلانية المعلقة على أعمدت الإنارة التي تملأ الطريق من كلا الجانبين، يتأملها وهو حائر الفكر معذب الوجدان، لا يدري هل سيقوى على مصارحة علياء بجبه لها.. أم سيظل يتعذب دون أن تشعر بحبه أو يشعر بألآمه وأحزانه أحد.. مر الوقت وقد وصل علاء إلى البلدة، وصل إليها بعد منتصف الليل، بدأ يمشى في شوارعها الهادئة الساكنة، حينما وصل المنزل وقف قليلاً يسترد بعض أنفاسه قبل أن يدق الباب، وبعد لحظات رفع يده وهو يهمس قائلاً:

ترى من مستيقظ الآن من سكان هذا البيت!؟ مرت دقائق قليلة وهو في انتظار أن يفتح له أحد الباب، وأخيراً فتحت أمه الباب قائلة:

كأنني أعلم من الطارق قبل أن يدق الباب، أخذته ريحانة بين أحضانها وقبلته كأنه عائد من بعد غياب سنين عجاف، وليس بضعة أشهر أو أقل بقليل، دخلا سوياً وأغلقت أمه الباب قائلة:

الحمد لله على سلامتك يا بن قلبي وسندي، أحكي لي عن كل لحظة عشتها بعيداً عني يا علاء، كيف كانت الحياة؟ ماذا فعلت؟ ولمّ أنت شاحب اللون ضعيف الجسمان هكذا؟

ابتسم علاء قائلاً:

سوف أحكي لكِ يا أمي كل ما تريدين ولكن في الصباح بإذن الله.. في هذه اللحظات استشعرت أميرة وباقي الأشقاء صوت همس ودبيب أقدام في الصالة الخارجية، خرجت أميرة من غرفتها وهي تفرك عينيها قائلة:

أشعر بريح علاء يملأ المكان.. ترى هل أنا أحلم. أم أنها هي الحقيقة والواقع؟ أردف علاء قائلاً:

بل حقيقة أيتها العفريتة الصغيرة.

ثم همس بصوت ضعيف قائلاً:

لا نوم الليلة ولا راحة، لابد أن أقدم لتلك العفريتة تقرير كامل شامل، عن تلك الشهور الستة الماضية.

استطردت أميرة بابتسامة قائلة:

لقد سمعتك. هيا أبدأ إذن في سرد كل التفاصيل والحكايات. وبعد لحظات انضم إليهم الأب وباقي أفراد الأسرة، استطرد علاء بابتسامة عذبة قائلاً:

الآن قد اكتملت هيئة المحكمة الموقرة، ضحك الجميع وبدأت الحكايات ما بين كلمة وهمسة وضحكة وابتسامة، مرت ساعات السعادة سريعاً، علىّ صوت قرآن الفجر في مكبرات الصوت بالمساجد، قام الجميع وذهبوا للوضوء استعداداً لصلاة الفجر، ذهب علاء بصحبة والده وشقيقيه فارس وسُهيل إلى المسجد، وتوضأت ريحانة وأميرة استعداداً للصلاة في البيت.

************

في أولى ساعات النهار، ذهب علاء بصحبة والده إلى الحقل، لعله يستطيع الراحة من العذاب بين الحقول والمحاصيل الزراعية، بعد أن انتهى والده من تقديم العلف للمواشي، جلس بجوار علاء على شط الترعة المجاورة للأرض، بدأ عبد الفضيل الحديث قائلاً:

قل لي يا ولدي! لمّ كل هذا الحزن بعينيكِ!؟ لمّ أراك دائماً سارح في عالم أخر!؟ أتريد الزواج يا ولدي!؟ نظر علاء لوالده بعينين ملؤهما الألم ثم قال:

من في هذه الحياة لا يريد الزواج يا أبي!؟ أليس على هذا جبلنا، ألم يخلق الله سبحانه حواء لأدمّ؟ ألسنا مطالبون بإعمار الأرض وإنجاب الذرية؟

أستطرد عبد الفضيل قائلاً:

نعم يا ولدي. لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى للعبادة وإعمار الأرض. خلقنا وأمرنا بالعمل، وقالوا أجدادنا أن العمل عبادة وصدقوا ولكنهم لم يخبرونا أن العمل حقاً عبادة ولكن! في غير أوقات العبادة، نعم يا علاء لقد خلق الله فينا غريزة النكاح والتكاثر، خلق الله لأدم حواء لتأنس وحدته في جنة الخُلد، وبعد أن وسوس لهما الشيطان، وعصى أدم أمر ربه، هبطوا جميعاً إلى الأرض، نزل كلاً منهما في وادٍ غير الواد، عمل أدم واجتهد حتى جمع الله بينه وبين حواء من جديد، جمعهما ليعمرا الأرض سوياً، ولكن قل لي يا بني؟ هل عملت أنت من أجل حوائك، هل اجتهدت كثيراً حتى يجمع الله بينكما؟ أسمع يا علاء. رغم ضيق الحال، أنا لا أمانع أن تتزوج، قل لي من هي، وسوف أذهب لخطبتها مهما كلفني الأمر.. نظر علاء لوالده بابتسامة ولم ينبس ببنت شفة.

مر اليوم وانقضى، أصبح علاء يتنفس الهواء الذي تملأ به علياء رئتيها، ولكنه لا يعلم أين يجدها؟ أين يراها؟ متى يستطيع أن يحدثها ويخبرها بكل الحب والشوقِ.

جلس وحيداً أمام منزلهم المتواضع، استسلم للأحلام كما يستسلم لها دوماً، وفجأة انتزعه صوت أميرة وهي ممسكة به من كتفيه قائلة بصوتٍ رخيم:

فيمّ تفكر أيها العاشق الولهان!؟ انتفض علاء واحمر وجهه وأذنيه، يكاد أن يكون قد اشتعل شعر رأسه شيباً، نظر إليها بوجهٍ عابث، وقبل أن يزجرها ضحكت أميرة بهستيريا من المنظر الذي أصبح فيه شقيقها، بدأ يتمالك نفسه ثم ضحك بلا إرادة، وبعد برهة أستطرد قائلاً:

متى ستكبرين يا أميرتنا المجنونة!؟

أردفت أميرة وهي ما زالت تضحك ملء فيها:

لو أن الأمر بيدي يا الغالي، كنت أخترت أن أظل على حالي. ابتسم علاء وبإشارة من يده أردف لأميرة قائلاً:

تعالي اجلسي بجواري، وما أن جلست أميرة بجوار أخيها حتى أخذ رقبتها تحت إبطه وضغط عليها برفق ثم قال:

هل أقتلكِ الآن وأستريح من جنانك!؟

ضحكت أميرة قائلة:

أعلم يا علاء أنك الغالي، ولكن إن أنت قتلتني! ستقتلك ريحانة وتصبح هي أم القتيلين، ثم ضحكت بصوتٍ عالي، جاءتهما ريحانة تسعى ثم قالت:

لمّ كل هذا الضحك العالي يا قليلة الحياء!؟

نظر علاء إلى أميرة وهو يرفع حاجب وينزل الأخر قائلاً بهمسٍ شديد:

بدأت أشك الآن أنها ستقتلني من أجلك يا أميرتنا المشاغبة! ثم استطرد قائلاً:

دعكِ من تلك المجنونة يا أمي، ولكنني أشتاق لفنجان قهوة من يدكِ الجميلة.

ابتسمت ريحانة ثم قالت بحنان:

أراك تتخلص مني لتختلي بأميرتي يا بن قلبي. هل أصبحت هي خازنة أسرارك!؟ إن كانت قد أصبحت ما بين عشية وضحاها خازنة الأسرار، فماذا تكون خلود!؟

أردف علاء بصوتٍ حانِ قائلاً:

خلود هي نصفي الأخر يا ريحانة القلب، خلود هي توأم روحي.

ثم ضحك علاء وهو يشير إلى أميرة قائلاً:

هل ضاقت الدنيا لتكون خازنة أسراري تلك المجنونة يا أمي! ضحكت الأم ثم تركتهما وذهبت لتحضير القهوة التي طالما صنعتها بدون وش.

نظر علاء إلى أميرة بعينين جادتين ثم قال:

من قال لكِ أنني عاشق ولهان أيتها الفتاة المجنونة!؟ ألستِ صغيرة أنتِ على تلك الكلمات؟

ابتسمت أميرة واحمر وجهها خجلاً ثم تغنت ببعض كلمات أحمد رامي قائلة:

الصـبّ تَفضحه عُيونه وتَنمّ عن وَجد شئونه

إنا تَكتـمنا الهوى والداء أقــتله دَفـينة

يَهتاجنا نَوح الحمام وكم يُحــرِّكنا أنينه

ونُحمِّل القُبَل النسيم فــــهل يؤدِّيها أمينه

ثم استطردت بجدية قائلة:

أتدري يا علاء؟ كنت أعلم أنك تنظر لي على أنني فتاة صغيرة ولكن، اعلم يا أخي أن أبناء هذا الجيل لم يولدوا صغار، نحن جيل الأقمار الصناعية والأنترنت، كيف نكون صغار والعالم قد أصبح أمامنا بضغطة زر!؟

ابتسم علاء قائلاً:

صدقتي أيتها المجنونة الصغيرة.

وسعت ابتسامة أميرة ثم قالت:

إذن قل لي من هي تعيسة الحظ، ثم أردفت بابتسامة:

أقصد سعيدة الحظ، كيف تكون تعيسة الحظ، وقد اختارها الغالي من بين كل الفتيات!؟

استطرد علاء بشجن:

ربما يأتي يوماً يا بنت أم وتعلمون جميعاً من تكون.. انسحبت أميرة بهدوء وتركت شقيقها يهيم في بحور الشوق والحب..

بعد أن أصبح علاء وحده، بدأ يحدث نفسه في صمت شديد، كأنه يخشى أن يسمع حديثه أحد، وفجأة! نبض قلبه وكأنه يعلم أين تكون حب العمر وشوق السنين علياء. همس قلبه قائلاً:

نعم هو المكان الوحيد التي تتوجه علياء إليه، منزل أختي العزيزة خلود سأذهب إليها وأجلس في انتظار رؤياها فهي تكن لها من الحب قدراً كبير. غير أنها تسكن بجوارها، إنها ابنة عم زوجها، نعم أعلم أنه لا يمر يوماً إلا وذهبت إليها، تجلس معها تحكي لها عن يومها في الجامعة وما فعلهن هي وصديقاتها، تحكِ لها عن الشباب اللذين يتمنون منها أن تنظر لهم من عينيها الجميلة نظرة رضا، تحكِ لها وكأنها تعلم علم اليقين بأن خلود تقص علىّ الحديث الذي دار بينهما كاملاً، وربما تريد أن تشعل بقلبي نار الغيرة عليها، فما أسعد النساء حين ترى الغيرة في أعين من أحبوهم.

************

الإنتظار الصعب

 

في المساء ارتدى علاء أجمل الثياب وتعطر بأحب العطور على قلبيهما، تعطر بعطر الياسمين، ثم ذهب إلى منزل توأم الروح، ربما تعانق روحه هناك روح من يحب، مشى من شوارع جانبية، لعله يخشى أن يقابل أحداً من أصدقائه فيؤخره عما أراد فعله، حينما أقترب من المنزل دق قلبه وتسارعت نبضاته، اقترب أكثر من المنزل، صعد درجات السلم المصنوعة من الرخام الأسود، دق الجرس بيدٍ مرتعشة، مرت دقائق حاول فيها أن يسترد أنفاسه ويهدئ فيها دقات القلب، فتحت خلود الباب قائلة:

إني لأشم ريح علاء!

حينما فتحت الباب هتفت بسعادة قائلة:

مرحباً حبيب القلب وتوأم الروح. مرحباً بالحبيب الغالي.

ابتسم علاء ثم أخذ خلود بين يديه، احتضنها كما تحتضن الأم صغيرها وهو يهمس لها قائلاً:

كم اشتقت لحديثك وضحكاتك يا مهجة قلبي وتوأم روحي.

ضحكت خلود قائلة:

أتدري يا علاء؟ أشعر أن زوجتك المستقبلية ستقتلني، سوف يمتلئ قلبها بالغيرة مني.

ضحك علاء قائلاً:

كيف لزوجة أن تغار على زوجها من شقيقاته يا بنت أم!؟

استطردت خلود بابتسامة قائلة:

ــــ كما تغار الأم على ولدها من زوجته أيها الغالي!

دخلا سوياً وكانت العائلة قد تجمعت لمشاهدة أحد المسلسلات التركية التي سيطرت على كل البيوت المصرية حين المساء، سلم عليهم علاء ثم جلس في ركنٍ منعزل، لا يشغله هذا المسلسل الذي ينصتون إليه، ولكنه مشغول برؤية من هي أهم عنده من كل أبطال وبطلات المسلسل، جلست خلود بجواره ثم قالت له بهمس شديد:

ما بك يا توأم الروح!؟ أراك في عالم غير الذي نحياه! هل أصبحت عاشقاً إلى هذا الحد!؟

ابتسم علاء ثم قال:

ما بكِ أنتِ وتلك المجنونة أميرة، في الصباح قالت لي مثلما قلتِ أنتِ الأن، ألهذا الحد يظهر الحب في عيني!؟ ابتسمت خلود ووضعت رأسها على كتف علاء دون أن تنبس ببنت شفة.

تمر الثواني. تمر الدقائق. قارب المسلسل على الانتهاء، ولكن علاء قد ازداد لهفة. وطال انتظاره لحضور حبيبة قلبه ومبتغاه، قلب عينيه في كل الأنحاء والأرجاء يترقب الخطوات، شرد بفكره عن كل الموجودين معه بالغرفة. لم يعد يرى منهم أحد. لم يعد يشعر برأس خلود على كتفه لم يشعر بمّ يدور من حوله.. وفجأة! دخلت عليه من ينتظرها ويتعذب لغيابها. تحمل بيدها كوباً من عصير المانجو الطازج، فهو المشروب المحبب لهما، كم حكت علياء عن حلمها بزراعة شجر المانجو ببيتها حينما تتزوج، نظر علياء للعصير وكأنها صنعته بدقات قلبها وشوق عينيها ليكون للمحبين رسول، سلمت عليه بحياء العذراء في خدرها.. قدمت له العصير التي صنعته بلهيب الشوق ووهج الحنين لرؤياه، ارتعشت يد علاء وكأن العصير المثلج قد اشتعل ناراً وتأجج، وضع الكوب من يده بعد أن احمر وجهه خجلاً، لم ينبس ببنت شفه. لم يفعل شيء سوى أنه ينظر إلى عينيها اللامعتان.. ابتسمت علياء ابتسامة حانية وقالت له بصوتها الناعم المتقطع:

أسعدتنا رؤيتك بعد طول الغياب يا.. ثم سكتت عن الكلام قليلاً وفجأة! استطردت الحديث بعد برهة قائله:

أين كنت كل هذه الأيام!؟ ثم تداركت الأمر قائلة:

متى وصلت يا علاء؟ لم ينبس ببنت شفة. مرت لحظات وعلاء ما زالت صامت لا يتحدث، زاد الصمت كثيراً كأنه يخشى الحديث.. يخاف أن تخرج من بين شفتيه كلمة تكشف حقيقة مشاعره نحوها، وأخيراً أردف علاء بصوته الهادئ كهدوء ليل الشتاء الساكن قائلاً:

لقد وصلت ليلة أمس، أمامي أمراً هام أريد أن أفعله دون تأجيل! همست له علياء قائلة:

ترى ما هو الأمر الذي يشغلك إلى هذا الحد ويجعلك كثير الصمت هكذا!؟

ازداد صمته وطال، فهو يخشى أن يفهمه أحد الحاضرين معهم، نظر فادي زوج خلود إلى علياء ثم قال لها بابتسامة:

هل تركتِ كلية التجارة ودخلتِ كلية الحقوق يا علياء!؟ أراكِ تستجوبين علاء والمسكين لا يرد. ضحكت علياء ضحكة هزيلة ثم قالت:

تعلم أنني كنت أتمنى أن أكون محامية يا بن عمي، ولكن حكم نجيب وورد كان الأقوى.

لم ينبس علاء ببنت شفة، احمر وجه علياء خجلاً من كلمات بن عمها، ولكنها فهمت أخيراً لمّ كل هذا الصمت الرهيب، انسحبت من المكان بهدوء نسمة صيف ووداعة قطة.

مشت بهدوء وخجل، مشت وهي تتعذب أكثر منه. تريد أن تعرف هل هو يحبها مثلما تحبه وتهواه! أم أن ما تعيشه هي، ما هو إلا أضغاث أحلام.

************

الفصل الثاني

مفاجأة غير سارة

 

بعد أن خرج كل الحاضرين وأصبح علاء وحده مع شقيقته خلود أخذا يتحدثان كثيراً، يتشاركان الضحكات والهمسات، وفجأة أردف علاء إلى خلود قائلاً:

ترى ماذا حدث في تلك الشهور التي كنت غائباً فيها عن البلدة؟

ضحكت خلود قائلة:

كأنك مأمور القسم وتسأل الضابط المنوب عن مجريات الأمور.

ابتسم علاء قائلاً:

ما أجمل أن يكون لمأمور مثلي ضابطة في مثل هذا الجمال.

ضحكا سوياً بصوتٍ عالي، جاء فادي إليهما مبتسماً ثم قال:

ما بكما؟ لمّ تضحكان هكذا!؟ أليس لي نصيب بينكما!؟

استطردت خلود وهي ما زالت تضحك قائلة:

تعلم جيداً يا زوجي الحبيب، أن بوجود علاء، لا مكان جواري لأحدٍ غيره.

ابتسم فادي ثم قال:

إذن سأنسحب قبل أن تطرداني.

بعد أن خرج فادي وأصبح علاء وخلود وحدهما، استأنفت خلود الحديث قائلة:

أتذكر سماح العقاد صديقتي أيام الثانوي والجامعة!؟

قال علاء بدهشة:

ما بها سماح!؟ هل حدث لها شيء؟

استطردت خلود قائلة:

لا. ولكنها تزوجت منذ شهرين وحضرنا زفافها أنا وفادي وكانت معنا علياء، أتدري يا علاء! لقد سألت عنك بلهفة حتى ظننت أنها..

ـــــ أنها ماذا يا بنت أم؟

ظننت أنها تحبك يا علاء، لو أنك رأيتها وهي تحتضنني وتسألني عنك بلهفة وشوق، لعرفت أنها تحبك حباً جما.

استطرد علاء بخجل قائلاً:

هل سمعتها علياء!؟ أقصد هل سمعها فادي وعلياء!؟

ابتسمت خلود قائلة:

بمناسبة ذكر علياء، قد علمت منها أن هناك شاب من البلدة يلاحقها، بل ربما يعد عليها أنفاسها، أعتقد أنه يحبها ويريد خطبتها، أتعلم من هو ذلك الشاب يا علاء!؟

ــــ ترى من يكون! قالها وهو يحك قبضته.

استطردت خلود بابتسامة ماكرة:

إنه أحمد عمران..

أردف علاء لشقيقته بلا مبالاة قائلاً:

وما رأي علياء!؟ ماذا قالت لكِ؟ هل تحبه!؟

ــــــ لا أدري يا بن أم، إنها لم تقل لي إن كانت تحبه أم لا، ولكن من حكاياتها عنه أرى أنه يحبها كثيراً.. تجهم وجه علاء الصافي كصفاء السماء حين الربيع، فقد علم الآن أن له غريم يصارعه في الحصول على قلب من أحبها منذ أن التقت عينيه بعينيها، تألم في صمت ولم يبدي لشقيقته كم ألمته بكلماتها دون أن تشعر، لا يدري ماذا يفعل كي يفوز بقلب حبيبته. مرت دقائق دون أن يتكلم علاء وقد تغير لون وجهه، تبددت ضحكاته وابتساماته، نهض علاء من مجلسه قائلاً:

آن الأوان للرحيل يا شقيقتي العزيزة.

أردفت خلود قائلة:

لمّ الرحيل الآن؟ ألن تنتظر فادي حتى يعود؟ ألن تنتظر حتى أيقظ لك بسمة؟ أم أنك لم تشتاق لها ولشقاوتها معك؟

ابتسم علاء ابتسامة واهنة ثم قال:

كيف لم أشتاق لبسمتي!؟ إنها محبوبتي ومعشوقة قلبي، هي عفريتتي الصغيرة، سوف أتي لرؤيتها في الصباح بإذن الله.

خرج علاء من منزل شقيقته وهو يجر أقدامه جراً، مشى تائه الخطى، دامي القلب، ذهب إلى المنزل والنار مؤججة بداخله، مرت الليلة وعلاء ساهراً لم يستطيع النوم، كيف ينام وهو لم يعد يأمن مكر الأيام له.

حينما عاد فادي إلى البيت، سأل زوجته قائلاً:

متى تركك علاء!؟ لم تجيب خلود سؤال زوجها، ذهب إلى حيث صوتها، وجدها تحدث نفسها، أردف إليها بتعجب قائلاً:

أجنت زوجتي! أم أنا من دخل بيت خاطئ؟

قالت خلود بوهن:

لا تخف يا زوجي، ما زلت إلى الآن بعقلي. تعالى هنا اجلس بجانبي، أريد أن أحكي لك شيء ولكن. قبل أن أحكي لك، أريدك أن تعدني بأن ما سأقوله لك الآن سوف تنساه، ولن تذكره لأحد أبداً.

ظهرت الدهشة على وجه فادي، ثم استطرد بهمس قائلاً:

تحدثي يا أم بسمة، لا تخافي فما بيننا يظل دوماً بيننا لا يعلم به أحداً غير الله سبحانه وتعالى.

أردفت خلود قائلة:

كنا نتحدث أنا وعلاء، حكيت له عن زفاف سماح العقاد وأشياء أخرى، فجأة شحب لون وجهه وانصرف قبل أن أيقظ له بسمة كما تعود كلما جاء ووجدها نائمة.

قال فادي متعجباً:

ما هي الأشياء الأخرى يا زوجتي الحبيبة؟

قالت خلود بلا مبالاة:

حكيت له عن أحمد عمران، الشاب الذي يلاحق علياء أبنة عمك نجيب.

ابتسم فادي ثم قال:

سامحكِ الله يا أم بسمة.

استطردت خلود بلهفة قائلة:

على ماذا يا فادي!؟ سامحني الله على ماذا؟

قال فادي وهو يشير إلى قلبه:

على كسر قلب أخيك يا خلود، ألم تشعري أبداً أن علاء يحب علياء أبنة عمي!

قالت خلود بدهشة:

أخي يحب علياء!

ــــــ ولمّ لا!؟ أتعلمين يا ذات المخ الرفيع، علياء أيضاً تحبه ويعتقدان ألا يعلم بحبهما أحد، نظرت خلود إلى زوجها بتعجب شديد دون أن تنبس ببنت شفة.

مرت الأيام وتوالت، ازداد الحب في قلب علاء بمرور الأيام، أصبح حبه لعلياء هو الشيء الوحيد الذي يشغله، يفكر فيه ليل نهار، يريد أن يجد حلاً لهذا العذاب المميت، كيف يصارحها بحبه، وهو لا يملك من الدنيا شيء سوى حبه لها، أما هي فتملك كل شيء.. كل ما تتمناه تجده بين راحة يديها الناعمتان، عاش علاء العذاب وحده ولم يُشعر بعذاب قلبه وألام روحه أحد.

************

ذات ليلة كان علاء جالساً بصحبة أشقائه الثلاثة أمام البيت، نظرت إليه أميرة وجدته سارح في عالم أخر، همست إلى فارس قائلة:

ترى فيمّ يفكر الغالي!؟

زجرهما سُهيل قائلاً:

دعوا الرجل وشأنه وإلا أبرحتكما ضرباً.. نظرت أميرة إلى سٌهيل بغيظ شديد ثم قالت:

سامحكما الله يا عبد الفضيل أنت وريحانه، لمّ أنجبتما هذا البغيض قبل أن تُنجبانِ!؟ ثم قامت تجري على أمها ومن خلفها يجري سُهيل، يريد أن يضربها كما العادة، احتمت أميرة بظهر أمها، نظرت إليهما ريحانة قائلة بابتسامةٍ:

ما بكما أيها المشاغبين!؟

قالت أميرة وهي ما زالت ملتصقة بظهر أمها:

هذا البغيض يريد أن يضربني يا ريحانة قلبي، أيرضيك هذا! ثم أخرجت لسانه لسُهيل الذي استشاط غضباً، أمسكت الأم بيد سُهيل قائلة:

إياك أن تكون القوي على شقيقاتك، تعلم يا سُهيل أن تكون قوتهم لا القوي عليهم، أنظر إلى علاء وتعلم منه يا ولدي، إنه لم يقسو يوماً على شقيقاته.

قالت أميرة وهي تخرج لسانها مرة أخرى لسُهيل:

وما أوصل هذا البغيض للغالي يا أم الغالي!

ضحكت ريحانة ثم قالت:

أتعلمين يا أميرة!؟ تستحقين الضرب على ما تفعلينه بسُهيل.

ضحكت أميرة قائلة:

من يستطيع ضربي وأنا محصنة بكِ يا ريحانة قلبي!؟

خرج سُهيل وهو يعض على يديه قائلاً:

سأمسك بكِ بعيداً عنها يا أميرة، وإن غداً لناظرهُ قريب.

حينما ذهب سُهيل إلى حيث كان، وجد فارس وحيداً، سأله بدهشة قائلاً:

أين علاء يا فارس!؟

أردف فارس قائلاً:

ترك لكما المكان ورحل أيها المشاغبان.

************

مشى علاء في شوارع البلدة هائم على وجهه، مر ألاف المرات من جانب منزل حبيبة قلبه وعشقه الوحيد علياء.. نظر إلى المنزل من كل اتجاه، ترقبها تنظر إليه من شرفة غرفتها المطلة على الشارع الكبير.. لكنه لم يجدها. لم يراها. لم يشعر بوجودها مشي علاء من جوار المنزل وهو يجر أقدامه جراً، توجه نحو طريق هادئ بجوار البلدة، أراد أن يختلي بنفسه ويخرج من عذابه وحيرته، فقد ضاقت في عينيه الدنيا وفجأة! وجد شاباً يقترب نحوه من بعيد، نظر إليه ترقب حضوره تأمله، عندما اقتربت المسافة بينهما.. اشتد غضبه واشتعلت النار بداخله.. ضغط على أسنانه بكل حقد وكراهية.. عض على يديه، ثم همس بكلمات تحمل كل معاني الغضب والشر سواء. أردف قائلاً:

سأقتله.. نعم سأقتله في هذا الطريق دون أن يراني من البشر أحداً.. نعم إنه هو ذاك الوقح الذي يلاحق خطاها. هو من ينافسني في حب علياء، سأقتله، اقترب المسكين رويداً رويدا، اشتد غضب الأخير وأغلق قبضة يده، كأنه ملاكم محترف أو مقاتل متنمر اقترب الضحية أكثر فأكثر.. مر من جانبه وهو يلقي عليه تحية الإسلام بصوت هادئ كهدوء الليل وسكونه، رد علاء التحية وانطفأت نار الغضب والغيرة بداخله.. لا يملك أن يفعل له شيء، كيف يقتله وهو يفقد وعيه عندما يرى دجاجة تذبح؟ كيف يقتله وهو لم يؤذي أحداً من قبل؟ ترى ماذا يفعل المسكين؟

لابد أن يكون هناك بديل بعيداً عن الدماء والقتل، قضى علاء الليل ساهراً يتألم، يفكر ماذا يفعل؟ وأخيراً وجد الحل الذي يرضيه.. وهنا نبض قلبه نبضاتٍ قوية، يكاد أن ينفجر بين ضلوعه، يريد أن يمنعه ولكن ليس أمامه سواه.. قرر علاء الرحيل إلى الأبد.. همس في نفسه قائلاً:

سأرحل ولن أعود. نعم سوف أرحل وأقضي حياتي بعيداً غريب، الرحيل أهون عندي من أن أقتل هذا الشاب المسكين أحمد.. سوف أرحل ولن أعود إلى بلدة أتعذب فيها كل لحظة، أتعذب فيها بقرب حبيبتي وبعدها عني! تبعد عني بصمتي وخوفي ويأسي في أن تكون زوجتي ذات يوم.. أنا لا أعرف كيف أصارحها بحبي وشوقي إليها، اليوم أرحل. نعم أرحل عنها وأطوي أخزاني وألمي بداخلي، سأرحل عن البلدة كلها. سأرحل عنها بكل من فيها. سأرحل عن شوارعها الهادئة وسمائها الصافية.. سأرحل عن أهلها الطيبين. سأرحل عن طيبة نسائها وحنانهم الذي يشبه حنان أمي الحبيبة، نعم سأرحل ولن أعود ما دمت حياً.

************

دخلت علياء المطبخ ثم وقفت بجوار أمها وهي تعد الطعام، مرت لحظات دون أن تنبس علياء ببنت شفة، نظرت إليها ورد قائلة:

ما بكِ يا قرة العين وروح الفؤاد!؟

- ليس بي شيء يا أمي ولكن؟ أحكي لي كيف تعرفتِ بأبي في الماضي! هل كان بينكما قصة حب كما نرى الآن في المسلسلات التي خربت عقول الفتيات!؟

نظرت لها ورد بدهشة ثم قالت:

هل الحب يا بنيتي تخريبُ للعقول!؟

استطردت علياء بهمس قائلة:

نعم يا أمي، الحب الذي نراه في المسلسلات التي غزت كل البيوت تخريبُ للعقول، الحب يا أمي ليس كلمات ومشاهد نراها، الحب يا أمي حينما قالت أم المؤمنين عائشة:

(ما غِرتُ على أحدٍ من نساءِ النبي صلَّ اللهُ عليه وسلَّم ما غِرتُ على خديجةَ، وما رأيْتُها، ولكن كان النبيُّ صلَّ اللهُ عليه وسلَّم يُكثرُ ذِكرَها، وربما ذبح الشّاةَ، ثمّ يُقَطِّعُها أعْضاءً، ثُمَّ يَبْعَثُها في صَدائِقِ خديجَةَ، فربما قُلْت له: كأنهُ لم يكُن في الدنيا امرأةٌ إلا خديجةُ، فيقول:

إنّها كانت، وكانت، وكان لي منها ولدٌ)

الحب يا أمي حينما كان النبي صل الله عليه وسلم يستبشر فرحاً عندما كانت تأتي إليه هالة أخت أم المؤمنين خديجة، كما روى الإمام مسلم من حديث أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

(استأذنت هالةُ بنتُ خويلدٍ أختُ خديجةَ على رسولِ اللهِ صلَّ اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فعرف استئذانَ خديجةَ فارتاح لذلك، فقال:

اللهم هالةُ بنتُ خويلدٍ، فغِرْتُ فقلتُ:

وما تذكرُ من عجوزٍ من عجائزِ قريشٍ، حمراءَ الشدقيْنِ، هلكت من الدهرِ، فأبدلك اللهُ خيراً منها)

وروت أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أيضاً:

(ما غِرتُ على نساءِ النبيِّ صلَّ اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلّا على خديجةَ، وإنّي لم أُدركها، قالت:

كان رسولُ اللهِ صلَّ اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا ذبح الشّاةَ فيقول:

أرسلوا بها إلى أصدقاءِ خديجةَ.

قالت فأغضبتُه يوماً فقلتُ:

خديجةُ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّ اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنّي قد رُزِقْتُ حُبَّها)

الحب يا أمي يوم أن تسابق النبي صل الله عليه وسلم مع أم المؤمنون عائشة وعندما سبقته رأى السعادة في عينيها فابتسم، وحينما سبقها وجدها غير راضية، قال لها يا عائشة هذه بتلك..

هذا هو الحب يا أمي، الحب الذي تظل في القلب ذكراه على مر الأعوام والدهور، الحب يا أمي هو حينما أشتد الخلاف بين رجل وزوجته وسألوه أصحابه، لمّ الخلاف بينكما قال:

أنا رجل والرجل لا يخرج أسرار بيته.

الحب يا ورد حينما طلق الرجل زوجته وأعادوا عليه السؤال، لمّ طلقت زوجتك قال:

لقد أصبحت الآن زوجة غيري، وأنا رجل لا أحب أن يخوض أحداً في عرض زوجتي، كيف أخوض في أعراض زوجات غيري إذن؟ هذا هو الحب الذي أعرفه يا أمي ولكن؟ كيف كان الحب بينكما أنتِ وأبي!؟

أخذت ورد علياء بين أحضانها ثم قالت بهيام وحب:

الحب بيننا كان نظرة من بعيد، ثم لقاء قريب وخطابات المحبين العاشقين، كان أبيكِ يكبرني ببضعة أعوام، كان يلاحق خطاي، كان ينظر لي دون كلام، ويوم أن قرر الحديث والإفصاح عما يواريه بين دقات القلب وأنفاس الهواء، جاء إلى البيت بصحبة والده.

أردفت علياء قائلة:

جاء إليكم هكذا بلا موعد ولا سابق كلام!؟ يا له من مغامر.

ضحكت ورد قائلة:

كنت قد أخبرت أمي عنه كثيراً، وإن عرفت الأم يا علياء ماذا تريده ابنتها، تكون كل الصعاب هباء، المهم هو حسن الإختيار، ثم استطردت قائلة:

يوم أن جاء نجيب لخطبتي، كان والدي على علم بأنني أهواه، كان قد سأل عنه دون أن أعلم، عرف أنه من عائلة كبيرة وأهله أُناس طيبين. قالت علياء بلهفة وشوق:

وماذا بعد يا أمي!؟ هيا أكملي الحكاية!

تنهدت ورد تنهيدة شوق وحنان للأيام الماضية ثم قالت:

وقفت خلف الباب أختلس النظرات وأسترق السمع، وفجأة وضعت جدتك هيام يدها على كتفي ثم قالت بابتسامة:

لا تخافي يا ورد، كل شيء يسير كما تريدين، هيا جهزي الشربات سوف يطلبه أبيكِ عما قريب، وقبل أن أتحرك بضع خطوات، سمعت جدتك تطلق الزغاريد، تجمدت أقدامي وأعتقد أنني قد فقدت وعي حينها، ولم أستفيق إلا في اليوم التالي، كان أبيك وجدك وجدتك بل العائلة بأكملها يملؤون منزلنا، حينها عرفت ما فاتني وأنا فاقدة الوعي، قد تم الاتفاق على كل شيء. وفجأة أردفت علياء وهي تجري نحو النار المشتعلة تحت الطعام قائلة:

لقد أحرقتِ الطعام بلهيب الذكريات يا ورد.

ضحكت أمها قائلة:

لا عليكِ حبيبتي. سوف أتصل على والدك يحضر لنا طعام جاهز.

يوم الرحيل

 

مرت الأيام وجاء يوم الرحيل، أنتظر علاء حتى تجمعت الأسرة، جلس ينظر إليهم وكأنه راحل إلى بلاد الغرب البعيدة، أردف لسُهيل قائلاً:

إنني أعتمد عليك لراحة أبينا وأمنا، إياك أن تنهرهما يوماً، وإياك أن تصبح قاسي القلب معهما ومع أختك أميرة، كن لها دوماً الحصن ومصدر قوتها، أتدري يا سُهيل؟ حينما يتحرش أحد الشباب بفتاة، لا تقول له أنها ستخبر والدها ولكنها تقول دوماً، سأجعل أخي يوقفك عند حدك ويعلمك كيف تحترم البنات، أي فخر بعد هذا يا سُهيل أن تجعلك شقيقتك مصدر قوتها وحصنها التي تحتمي به، ظل سُهيل يسمع كلمات أخيه دون أن ينبس ببنت شفة، دمعت عيني أميرة وفارس، استطردت أميرة وهي تقاوم العبرات التي أعلنت التحرر والمضي في طريقها إلى الأرض قائلة:

ما بك يا علاء!؟ كأنك تودعنا وداع راحل لن يعود!

أردف علاء ببسمة هزيلة قائلاً:

هي مجرد كلمات يا أميرتنا، أردت أن أقولها لأخويك حتى يتعلمان كيف تكون الرجال.

دمعت عيني ريحانة، وبعد برهة قامت احتضنت علاء قائلة:

لن أمنعك من الرحيل يا الغالي، فقد قالتها لي تلك المجنونة ذات يوم، الرحيل هو حال أبناء الفقراء دوماً، ولكن يا ولدي أريدك أن تعلم أننا أغنى الناس بكم.

دخل عبد الفضيل غرفته وهو يواري دمعاته عن الأبناء، دخل علاء إلى غرفة والده، ثم قال بابتسامة حزينة:

ما بك يا عبد الفضيل!؟ تشجع يا أبي فأنت مصدر شجاعتي وكل قوتي.

نظر إليه والده دون أن ينبس ببنت شفة، أخذه بين ذراعيه، ضمه إليه وكأنه يريد أن يجعل جسده يختلط مع جسده النحيل، بعد لحظات. خرج علاء من غرفة أبيه، حمل حقيبة السفر الصغيرة التي سبق وأن جهزها، بدأ يمشي وقلبه يرتعد بداخله، يريد أن يردعه ويمنعه عن هذا الهروب المستحيل، ولكن أقدامه تدفعه وتجعله ينهب الأرض نهبا.. تدفعه وكأنها تعلم ما يخفيه له القدر! ودع أهله وكأنه راحل بلا رجعة، مشى والدموع تنهمر من عينيه كأنها أمطار الشتاء التي أشبعت الأرض بطيب ريحها.. أقدامه تدفعه وتداعب تراب الشوارع بخطواتها المسرعة. مشى ولا يدري إلى أين الرحيل! مر من جانب منزل الحبيبة الغالية كغلاء اللؤلؤ والماس علياء! وقف لحظات وكأنه يتمنى رؤيتها، يتمنى أن يودعها الوداع الأخير قبل الرحيل، وفجأة. حدث ما تمناه.. وجدها أمامه تنظر إليه والابتسامة تملأ وجهها الجميل. تبتسم وكأنها تستحلفه ألا يرحل عنها، همس قلبه وخفق إليها. همس بداخله قائلاً:

آه ماذا أفعل؟ هل استسلم لعينيها الجميلتين؟ هل اخضع لتوسلات نظراتها البريئة؟

ثم استطرد بألمٍ قائلاً:

لا. لن استسلم إليها. لن أضعف أبداً أمام سحر عينيها.. وأخيراً انطلق علاء في طريقة دون تردد، وقفت علياء تودعه بعينيها، تلاحقه بنظراتها، وهو يواصل السير بسرعة وكأنه سهم يخترق الرياح.. وجد سيارة تقترب نحوه، رفع يده المتثاقلة وأشار إليها، وقفت أمامه، ألقى جسده بداخلها دون تردد أو استسلام، بدأت السيارة رحلتها القاسية المريرة. انطلقت السيارة في طريقها.. لا يعلم علاء إلى أين يرحل، هل يعود إلى المدينة الساحلية مرة أخرى، أم أنه قرر ألا يعود إلى مدينة الكاسيات العاريات، فكر كثيراً وتعذب أكثر، وبعد رحلة قصيرة استغرقتها السيارة من البلدة إلى موقف الحافلات الذاهبة إلى كل مدن مصر، وصلت نهاية رحلتها، هبط علاء منها حاملاً حقيبته الصغيرة، بدأ يمشى بين الحافلات وهو لا يعلم إلى أي مكان يذهب إليه، وفجأة! رأى سيارة واقفة بجانب الطريق، ينادي صاحبها بصوت جهورياً على مدينة لم تطأها قدميه من قبل.. دون تردد ركب فيها واستسلم للنوم العميق، ومر الوقت عليه طويلاً مريراً. وصل المسكين إلى أخر الرحلة المجهولة، أو ربما إلى أولها، فهو لا يعرف ماذا يفعل؟

بدأ السير في شوارع المدينة المزدحمة بالبشر والسيارات، بحث عن مسكن حتى يرتاح من سفره وهمه الكثير. مر الوقت ببطء السلحفاة، ولكنه لم يجد ما يبحث عنه، لم يجد مسكن يسكنه ليرتاح فيه من التعب والنصب، لم يجد الراحة التي طالما بحث عنها، راوده اليأس من شدة التعب. أتخذ ركنٍ منعزل، جلس فوق حقيبته يفكر ماذا يفعل؟ وكيف سيقضي يومه الأول في هذه المدينة بلا مأوى، وإذا برجل يقترب منه رويداً رويدا، وقف بجانبه ثم وضع يده على كتفه برفق، سأله والابتسامة على وجهه قائلاً:

أراك غريبُ وحيد يا بني، من أنت ومن أي بلدة تكون؟

أجاب علاء بهمس شديد قائلاً:

أنا من قرية ريفية في إحدى محافظات الدلتا.. لقد جئت إلى هنا هرباً من حبٍ يثقل كاهلي، ربما أجد عمل ينسيني من هربت من حبها.. نظر إليه الرجل الضخم ثم قال له وما زالت الإبتسامة تزين وجهه:

تعالى معي. ثم طمأنه بكلماته الهادئة قائلاً:

لا تخف يا ولدي، أنا عندي مسكن لك، بدأ يتحدث معه حتى لا يشعر بطول الطريق..

وربما أخرجه من حزنه الظاهر بعينيه، سأله الرجل عن اسمه بنفس الابتسامة قائلاً:

قل لي يا ولدي؟ أي أسم من الأسماء يكون أسمك!؟

أجاب بهمس الطيور قائلا:

اسمي علاء. ولكن؟ أرجوك لا تسألني عن شيء أخر. فأنا منهك القوى والبنيان وسارح العينان، ولن أتمكن من إجابتك بعد الآن. فكل ما أريده الآن هو الراحة والبحث عن عمل في الصباح.. أردف الرجل قائلاً:

كما تريد يا علاء، أما أنا اسمي عبد الله، والمسكن هو حجرة صغيرة على سطح منزلي، ولكنها نظيفة ومرتبة وسوف تحظى بإعجابك.

قال علاء بصوتٍ واهن:

أشكرك على لطفك سيدي. وأخيراً وصلا إلى المنزل، صعد الحاج عبد الله، فتح له الحجرة ثم سلمه مفتاحها الصغير، دخل علاء ووضع الحقيبة من يده الضعيفة وإذا به يبصر أمام عينيه الواهنة سريراً صغيراً، نام عليه من شدة التعب وغرق في نوم عميق.. مرت ساعات طويلة وعلاء ما زال غارق في نومه وفجأة! استيقظ على أصوات عالية فزعته من نومه العميق. قلب عيناه في كل اتجاه وكأنه في حلم أو كابوس، بدأ يكلم نفسه ويهمهم قائلاً:

إنه ليس حلم بل حقيقة كحقيقة شروق الشمس وبزوغ القمر، ترى ماذا يحدث في الخارج، فتح علاء النافذة، وقف ينظر منها ببصره الحاد فإذا به يري تجمع كبير من البشر، أخذ يفتح أذنيه حتى يعرف حقيقة ما يحدث في الشارع، وأخيراً استطاع أن يخطف كلمات متناثرة، سأقتله.. سوف أنال منه كما ينال الأسد الجائع من فريسته. سأقطع من جسده بأسناني الحادة كالمنشار، سأقتله بهذا السكين الحاد، سوف أقطع له لسانه الذي تجرأ به على زوجتي. فقد تحرش هذا الوغد بها، أغلق علاء النافذة وانهمر في بكاء شديد.. تذكر نفسه عندما كان يهمهم بتلك الكلمات والغيرة تقتله. انتبه علاء على صوت دقات خفيفة على الباب وصوت الحاج عبد الله ينادي قائلاً:

علاء. افتح يا ولدي.. فتح الأخير الباب وإذا بعبد الله حاملاً بين يديه وعاء صغير مملوء بالطعام، نظر له علاء بدهشة ثم قال:

لمّ كل هذا التعب سيدي!؟

ابتسم عبد الله قائلاً:

لا يوجد تعب يا ولدي. ثم استطرد:

أراك شديد الحساسية يا بني، وهذا عيب كبير في هذا الزمان، ولكن أنت أعلم بكرم أهل الريف، أتدري يا علاء! أنا أيضاً جئت من الريف إلى هذه المدينة منذ زمنٍ بعيد، عملت في كل شيء، كنت أبيع الخضراوات والفاكهة في الشوارع، عملت مع مقاول معماري، كم حملت على كتفي هذا الأسمنت والرمال، جئت إلى هذه المدينة وأنا شابُ غريبُ مثلك، مرت الأيام وقد اتخذتها موطناً لي، تزوجت وأنجبت، وكما أجاب جحا عندما سألوه عن بلده، قال لهم بلدي هي التي تسكنها زوجتي. نعم يا ولدي لقد خلقنا الله للعبادة والسعي خلف الرزق، فلا مانع إن وجدت زرقي في مكانٍ غير الذي ولدت فيه، وتزوجت من أهله واتخذته لي موطنُ جديد.. نظر علاء إليه بابتسامة دون أن ينبس ببنت شفة.

************

في اليوم التالي استيقظ علاء مبكراً، خرج دون أن يشعر به أحد، أخذ يبحث عن عمل هنا وهناك..

يبحث عن عمل لكسب الرزق الحلال، وربما يشغله وينسى فيه الألم والأحزان، لعله يخرجه من همومه التي أثقلت كاهله، ظل يبحث ويسأل في كل مكان، دخل كل المحلات والمكتبات، بحث حتى تألمت قدميه، عبر كل الشوارع دون فائدة، لم يجد أي عمل، وكأن القدر ما زال يخبئ له ما كتب وكان، بعد يأسه وتعبه ذهب إلى مقهى، جلس على كرسي جريدي طمعاً في تناول كوباً من الشاي الساخن، وفي لحظة عابرة سمع صوت الحاج عبد الله يحدثه بصوته الهادئ قائلاً:

لا تيأس يا ولدي فلا يقنط من رحمة الله إلا القوم الظالمين.. نهض علاء مرتعباً يبحث عن صاحب الصوت، ولكنه لم يجده! نظر في كل الأرجاء والأرجاء والأنحاء، إنه يشعر بوجود عبد الله بجانبه، يحثه على عدم اليأس والبحث عن عمل.. بعد أن اطمأن قلبه وأنهى كوب الشاي، نهض في رحلة بحث جديدة، بدأ السير وهو يحدث نفسه قائلاً:

لن أيأس أبداً مهما طالت رحلة بحثي الشاقة، سوف أبحث في كل مكان عن عمل.. ذهب إلى المباني التي ما زالت تحت الإنشاء، ربما يجد هناك عمل ما دامت الأعمال التي تناسب مؤهله العلمي قد انتهت، وأخيراً بعد أن أُدميت قدماه تحقق حلمه.. وجد ما كان يبحث عنه، لكن العمل شاق جداً همس في نفسه قائلاً:

لمّ ضيعت من عمري ستة عشر عاماً في دراسة كتب ومراجع، ما دامت النهاية عمال بناء، أو تأشيرة لدولة عربية، يتحكم في مصائرنا هناك رجل يقال عنه كفيل!؟ لمّ يعلمونا ما دام العِلم قد أصبح مجرد ورقة تعلق على الجدران!؟ ثم استطرد بحزن وألم قائلاً:

كم شاب تخرج من الجامعة ولم يجد عمل يناسب مجال دراسته، كم خريج جامعي تعلم مهنة حتى يستطيع بناء بيت وتأسيس عائلة!؟ يا الله. أبعد أن أرهقنا أهالينا من مصاريف الدراسة والدروس الخصوصية التي أصبحت وباء منتشر نعمل عمال بناء!؟

دمعت عيني علاء، أردف بعد برهة قائلاً:

إن العمل شاق ولكن. لا بديل، سوف أتحمل قسوة العمل ومشقته حتى أجد عمل أخر أقل منه تعب ونصب.. ذهب إلى الحاج عبد الله ليخبره بأنه وجد عمل ربما ينسى فيه كل شيء يألم قلبه ويعذب فؤاده.

جلس بجوار الرجل وهو شارد القل، وقبل أن يتحدث سأله عبد الله قائلاً:

هل تناولت الطعام يا ولدي أم أن البحث عن عمل شغلك ولم تأكل شيء!؟

تنهد علاء ثم قال:

أتعلم يا عم عبد الله! لقد نسيت الطعام فعلاً، لم أذكره إلا الآن.

ضحك عبد الله قائلاً:

هل ينسى أحد أن يأكل يا ولدي!؟ لقد قارب اليوم على الإنتهاء، ثم قال مازحاً:

ليتك نويت الصيام يا علاء، أبتسم علاء ابتسامة واهنة دون أن ينبس ببنت شفة.

نادى عبد الله على زوجته قائلاً:

يا أم جميلة.. يا أم جميلة

أردفت الزوجة باستحياء قائلة:

ما بك يا أبو جميلة، لمّ كل هذا الصياح!؟

استطرد عبد الله بابتسامة:

فلتُحضري لنا الطعام يا زوجتي، أم تريدين أن يقول علاء عنا أننا بخلاء!؟

أردفت نجاة قائلة:

دقائق قليلة ويكون الطعام جاهز يا أبو جميلة.

بعد أن خرجت أم جميلة، بدأ علاء الحديث قائلاً:

لقد وجدت عمل يا عم عبد الله، وجدت عمل لا علاقة له بمّ أضعت فيه ستة عشر عاماً من عمري، نظر إليه عبد الله قائلاً:

لابد أن نرضى بمّ كتبه الله لنا يا علاء.. ثم استطرد بابتسامة:

دع الله يا ولدي يفعل في ملكه ما يشاء!

مرت الدقائق وجاء صوت أم جميلة معلناً أن الطعام جاهز، قام عبد الله ومن خلفه علاء، حينما جلسا على مائدة الطعام صاح الرجل قائلاً:

هيا يا أم جميلة تعالي أنتِ وحبيبتي الجميلة لنأكل سوياً، جاءت نجاة ومعها فتاتها جميلة، امتلئ وجه علاء خجلاً، ابتسم عبد الله قائلاً:

لمّ كل هذا الخجل يا ولدي!؟ قلت لك أننا من أبناء الريف وقد تربينا على الجلوس جميعاً على مائدة الطعام بصحبة الضيوف، ولكنك لم تعد ضيفاً بعد الآن. ثم ضحك الرجل قائلاً:

أتخجل من أختك جميلة!؟ أردف علاء وهو ينظر إلى جميلة قائلاً:

أبداً. أبداً يا عم عبد الله، وهنا كانت المفاجأة التي ملئت وجه علاء دهشة، حينما وجد جميلة فتاة ذات عشرة أعوام، ولكنها حقاً جميلة، تشبه القمر في ليلة الكمال، ضحكوا جميعاً من الدهشة التي ظهرت على وجه علاء، أردف عبد الله قائلاً:

هيا يا ولدي سمي الله، بدأ علاء في تناول الطعام ولكن. على استحياء.

************

الفصل الثالث

بعد عدة شهور

 

مرت الأيام والشهور وعلاء سعيداً بعمله رغم قسوته وتعبه الكثير، لا يفكر في شيء سواه، يستيقظ مبكراً ويعود قبل المغرب بدقائق معدودات، يلتهم طعامه بنهم ثم يأوي إلى مضجعه وينام من كثرة الإجهاد، ولكن قالوا قديماً أن الرياح تأتي دوماً بمّ لا تشتهيه السفن، في يومٍ حار كان علاء قابعاً في حجرته ولم يذهب إلى العمل، قرر أن يذهب إلى أحد الأسواق حتى يشتري منه ما يأكل، خرج علاء من غرفته، وبدأ يهبط درجات السلم المتهالكة بعض الشيء، بدأ السير في شوارع المدينة تحت حرارة الشمس المحرقة، يكاد أن يكون قد تصبب عرقاً.

همس في نفسه قائلاً:

ألم أستطيع الإنتظار حتى تغيب الشمس ويهل هواء العصاري الرطب، أثناء سيره وهو مرهق الجسد متهالك الأقدام، سمع اسمه يتردد من خلفه، وقف لحظة ونظر خلفه ولكنه لم يتعرف على من يردد أسمه، بدأ سيره من جديد، نادى الشاب بصوتٍ جهورياً قائلاً:

يا علاء.. يا علاء. انتظرني أنا خالد. وقف علاء في ظل بيت مجاورٍ في انتظار حضور من نادى عليه، همس في نفسه قائلاً:

ترى أي خالد تكون!؟

إن بلدتنا بها أسم خالد كثيراً جداً.

بدأ الشاب في الإقتراب من علاء وكأنه بالنسبة له طوق النجاة، هذا هو حال كل غريب ترك أهله وهاجر بحثاً عن عمل في بلدٍ لا يعرفها، بدأ علاء يتأمل خالد كلما أقترب منه أكثر، حينما أقترب خالد من علاء وأصبح لا تفصلهما سوى بضع سنتيمترات، أخذه علاء بين ذراعيه بعد أن ردد أسمه قائلاً:

خالد عبد المُغني، لقد عرفه إنه شاب ذو خلق، وهو من شباب قريته الصغيرة، رحب به علاء.. ثم أخذه معه إلى السوق اشتريا الكثير من الطعام، أخذه علاء إلى مسكنه الصغير، بدأ يتجاذبان أطراف الحديث سوياً أثناء عودتهما إلى السكن القابع فوق سطح الحاج عبد الله، سأله علاء عن البلدة وأهلها الطيبين قائلاً:

ترى ما أخبار بلدتنا وأهلها الطيبين يا خالد!؟ أردف خالد بابتسامة قائلاً:

بلدتنا وأهلها بخير، غير أن العم حسن بائع الخضروات والفاكهة على الطريق قد مات، دمعت عيني علاء ثم قال:

إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم نظر إلى خالد وكأنه يشم هواء البلدة وريحها الطيب في طيات ثيابه.. نظر إليه وكأنه يرى حبيبة قلبه وعشق روحه في ملامح وجهه الطيب، نظر إليه وقد ازداد في قلبه الشوق والحنين إلى علياء..

************

خنجر في القلب

 

وصلا علاء وخالد إلى بيت عبد الله، صعدا السلم وهما منهكان من حرارة الشمس، فتح علاء باب الغرفة قائلاً:

ادخل يا خالد لقد أرسلك الله لي حتى لا أقضي أيامي وحيد.

ابتسم خالد وهو يدور بعينيه في كل أرجاء الغرفة، وجد علاء قد قسمها إلى جزئيين، فصل بينهما بستارة، امتلئ وجه خالد بالدهشة وقبل أن يتحدث أردف علاء بابتسامة قائلاً وهو يزيح الستارة:

هذا مطبخي الصغير يا خالد. حينما ازاح علاء الستارة، ظهرت من خلفها ثلاجة صغيرة وبوتاجاز، فتح علاء الثلاجة وأخرج منها بعض العصير، مد به يده نحو خالد قائلاً:

أشرب هذا يا خالد سيرطب جسدك بعد هذا الحار الشديد.

ثم استطرد علاء قائلاً:

الحمام في الخارج بجوار الغرفة، هيا اذهب اغتسل وغير ملابسك، وأنا سوف أعد الطعام، ابتسم خالد قائلاً:

حقاً أبناء الأصول يظهرون في الغربة وحين الشدائد يا أخي. بعد برهة فتح خالد حقيبته ثم أخرج منها بعض لفائف الطعام، مد بها يده نحو علاء قائلاً:

خذ هذا الطعام يا أخي، لقد صنعته أمي ووضعته بيدها في حقيبتي، وضعت البط والأوز والأرز، كأن الغربة لا يوجد بها طعام.

ضحك علاء قائلاً:

لو أقسمنا لهم بكل الأيمان يا خالد أننا نأكل أشهى الطعام في الغربة لن يصدقونا ولكن، حتى أكون صادقاً معك يا خالد!؟ لن تأكل يوماً طعام بشهية غير الذي تصنعه الأم.

رأى خالد الحزن بعيني علاء فأردف بابتسامة قائلاً:

إذن خذ جهز لنا منه قبل أن يفسد.

ضحك علاء قائلاً:

لا يا خالد سوف أضعه في الثلاجة فما زالت الأيام قادمه، وسوف نلتهم هذا البط والأوز قريباً. مر الوقت سريعاً وقد أعد علاء الطعام، وضعه على المائدة الصغير وجلس في انتظار خالد حتى ينتهي من تغير ملابسه، بعد أن بدل خالد ملابسه جاء وجلس أمام علاء.

أغمض عينيه وبدأ يشم ريح الطعام الشهي قائلاً:

لقد أصبحت طباخ ماهر يا أخي.

ابتسم علاء قائلاً:

ذات يوم ستكون أمهر مني يا خالد، سوف تتعلم في الغربة كل شيء، سوف تغسل ملابسك وتغسل الأطباق، سوف تصنع ما لم تصنعه في البيت يوماً.

ثم استطرد قائلاً:

هيا تناول الطعام قبل أن يبرد.

بدأ خالد يأكل بنهم، الطعام شهي وهو جائع، لم يتناول الطعام منذ أن خرج من المنزل في الصباح، أخذا يتحدثان ويضحكان، أخيراً وجد علاء من يؤنس وحدته وفجأة! بدأ الحنين يراوده علاء للرجوع إلى بلدته، يريد أن يرى حبيبة قلبه ويملأ عينيه منها، يريد أن يتمتع بسحر حديثها وعذوبة طلتها، أمتلئ قلبه جنين وهو لا يعلم ما يخفيه له القدر. لا يعرف الواقع المرير، والخبر الذي يُقطع شرايين جسده ويمزق أوردة قلبه ويحطم فؤاده، لا يدري أن كلمات خالد ستكون خنجر في القلب.

بعد أن انتهيا من الطعام، قام علاء وأعد لهما كوبان من الشاي وجلسا يشاهدان مباراة الأهلي والزمالك على شاشة التلفاز الصغير الموجود على المنضدة بجوار السرير الوحيد بالغرفة. بدأ خالد الحديث وعلاء منصت إليه، وفجأة! قطع علاء حديثه قائلاً:

ألم ترى أحداً من عائلتي قبل سفرك إلى هنا يا خالد؟

أردف خالد قائلاً:

لقد رأيتهم جميعاً وهم بخير وفي أحسن حال، ولكنهم لا يعلمون أين أنت، أخذ علاء يحرك شفتيه دون أن تخرج الكلمات من فيه، يريد أن يسأل عن حبيبة قلبه علياء، يريد أن يعرف كيف هي الآن، ولكنه لا يريد أن يعرف أحداً كم هو يحبها ويهواها.. ساد الصمت قليلاً وبعد برهة بدأ خالد حديثه مرة أخرى، وقبل أن يكمل حديثه قاطعه علاء بلهفة قائلاً:

ألم ترى أختي خلود!؟ ابتسم قائلاً:

ــــ لقد رايتها قبل سفري وكانت تحمل على كتفها الصغيرة الرقيقة بسمة ولكن، دعني أكمل لك البقية، فأنا عندي لك من الأخبار الكثير والكثير.

تحدث خالد بابتسامة صافية كصفاء السماء من الغيوم، خرجت من بين فيه كلمات لا يعرف قوة تأثيرها على قلب المسكين، عندما قال تلك الكلمات شعر علاء وكأنه تلقى طعنة خنجر في قلب قلبه، تلقاها بكل قوة وقسوة، قالها خالد وهو لا يدري أنه قتل من ناداه منذ قليل بأخي.. نعم قتله بكلماته التي نطق بها لسانه وهمست بها شفتيه، عندما خرجت الكلمات من فيه خالد، وقعت على قلب المسكين كالصاعقة.!

بعد أن شرب خالد الشاي، استطرد قائلاً:

أتذكر شعبان عبد الهادي يا علاء!؟

ــــ نعم أذكره. ماذا حدث له!؟

لا شيء يا علاء ولكنه سافر إلى إيطاليا منذ عشرة أيام. أردف علاء بدهشة:

سافر إلى إيطاليا!؟ كيف سافر!؟

ــــ والله لا أدري ولم نعرف أنه سافر إلا بعد سفره بأيام.. توقف خالد عن الحديث برهة ثم تنهد قائلاً:

أتدري!؟ الشيء الوحيد الذي لم أقوله لك حتى الآن يا علاء، هو أن عائلة عمران قد ذهبت إلى عائلة نجيب، تحدثت معهم عن ابنتهم الجميلة الرقيقة الفاتنة.. فهم يريدونها أن تصبح عروس لإبنهم، وقبل أن ينتهي خالد من الحديث، نظر إلى علاء بطرف عينه، وجد وجهه قد تغير ملامحه، وفجأة! سأله علاء بصوت متقطع قائلاً:

يتحدثان عمن يا خالد!

ابتسم خالد ابتسامة واهنة ثم أردف قائلاً:

هل لدى عائلة عمران غير ولدهم أحمد دون أن أدري يا علاء!؟ وهل لعائلة نجيب غير ابنتهم الرقيقة كالفراشة. الجميلة كالزهرة الرقيقة. الندية كنسمة صيف تداعب برقتها الزهور.. أخذ يتغزل فيها وهو لا يدري أن كلماته تقتل علاء، ثم استطرد خالد بعد برهة قائلاً:

هل نسيت حقاً يا علاء أن عائلة نجيب، ليس لديهم سوى ابنتهم الوحيدة علياء!

أردف علاء بكلمات واهنة:

أليست علياء ما زالت صغيرة، إنها في أول عام في الجامعة.

ابتسم خالد ثم قال:

إنها ستكون مجرد خطوبة، وربما الزفاف بعد أن تنتهي، تعذب المسكين في صمت، ظهرت الدموع بعينيه، أما خالد فهو في دهشة من أمره. لا يصدق ما رآه، بعد أن انتهى الحديث بينهما، قام علاء وهو يقاوم دموعه، اتخذ ركن بجوار السرير، وضع فيه مرتبة أخرى نام عليها وترك السرير لخالد الذي طعنه بخنجر في القلب، قضى خالد كثيراً من الليل ساهراً يعاتب نفسه على ما قاله. فقد علم أن علاء يعشق علياء بكل أحاسيسه ومشاعره.. وأخيراً استسلم خالد للنوم العميق حتى مر الليل وانقضى، وعندما استيقظ خالد من نومه، نظر إلى المكان الذي كان نائم فيه علاء، وجده مرتب جيداً ولكنه، لم يجد علاء بالحجرة، فقد لملم أحزانه كما لملم ملابسه استعداداً للرحيل.

************

أميرة! يا أميرتي الصغيرة.. هكذا استيقظت أميرة على صياح أمها، أردفت أميرة وهي ما زالت تتثاءب قائلة:

ما بكِ يا ريحانة قلوبنا!؟ لمّ الصياح في الصباح!؟

ـــــــ عن أي صباح تتحدثين!؟ هيا أيتها الكسولة لقد أذن العصر منذ ساعة أو يزيد، بدلي ثيابك وخذي هذه القشطة والزُبدة لبيت شقيقتكِ خلود، أنتِ تعرفين أنها تعشقها ولا تأكلها إلا من يدي. ابتسمت أميرة ثم قالت:

هل سترسلين لي القشطة والزُبدة بعد زواجي يا ريحانة؟ أم أنها لخلود وفقط!؟

استطرد ريحانة قائلة:

هيا أيتها المشاغبة، أين أنتِ والزواج يا أبنة السابعة عشر.

ــــ ألم تتزوجي في مثل سني الآن يا ريحانة قلبي!؟

قالت ريحانة وهي تضحك ملء فيها:

نعم تزوجت في مثل سنك الآن، ولا مانع عندي أن أزوجكِ إن أردتِ ولكن لي شرط!

اعتدلت أميرة على السرير وهي واضعة وجهها بين كفيها ثم قالت وهي تتمايل:

ما هو شرطك يا أم الغالي!؟

ــــ أن تتركِ الدراسة كما فعلت أنا من أجل أبيكِ، وتريحينا من وباء الدروس الخصوصية التي تفشت دون رادع.. ولو أرادوا أولياء الأمور محاربتها لفعلوا، أو لو أن الدولة أرادت القضاء عليها لفعلت بين عشية أو ضحاها، وقفت أميرة ثم قالت وهي ترفع شعرها عن عينيها:

أعتقد أنني سوف أذهب إلى خلود كما أنا يا أم الغالي.

ضحكت ريحانة ثم قالت:

إنكِ لمجنونة كما قال عنكِ علاء.

بعد دقائق قد اغتسلت أميرة وبدلت ثيابها، أخذت الزُبد وخرجت في اتجاه بيت خلود، حينما وصلت وجدت علياء بصحبة شقيقتها، سلمت عليهما أميرة قائلة:

ما أجمل حكايات العصاري! أراكما كنسوة المدينة! ترى من راودت من ولكن، قد ولى زمن يوسف والعزيز. ضحكت خلود ملء فيها قائلة:

دعكِ من زمن العزيز وأعطني القشطة والزُبدة أيتها المجنونة.

ابتسمت أميرة قائلة:

كأن كلمة علاء فيرس قد انتشر في العائلة الكريمة، كلما تحدثت مع أحداً منكم قالها لي.

ابتسمت علياء ثم قالت على استحياء:

بمناسبة ذكر علاء.. كيف حاله يا أميرة!؟

لم تنتظر خلود إجابة شقيقتها، أخذت القشطة والزُبدة ثم قالت وهي تتجه إلى الداخل:

سأعد لكما بعض الساندويتشات الشهية بالقشطة والزُبد.

بعد أن أصبحت علياء وأميرة وحدهما، أردفت أميرة قائلة:

أتدرين يا علياء؟ منذ أن رحل علاء لم نعرف عنه شيء، ولكنني أعلم أنه بخير، وأعلم أيضاً أنه يحمل بين دقات قلبه أسرار كثيرة، أعلم أنه يتعذب من داخله، فأنا أعرفه أكثر مما يعرفه الأخرين، أعرفه أكثر مما تعرفه خلود المقربة إليه، أعرفه أكثر مما تعرفه ريحانة قلوبنا، أتعلمين يا علياء!؟ أنا أدعو له ليل نهار، أدعو الله أن يعطي علاء كل ما يتمناه، فعلاء أخي صاحب قلبُ طيب، يحمل هموم الناس ولا يشرك أحداً في همومه أبداً.

ابتسمت علياء قائلة:

ليت لي أشقاء مثلكم يا أميرة. ثم استطردت:

أكثري من الدعاء يا أميرة فإن الدعاء يغير القدر.

ابتسمت أميرة ابتسامة ماكرة ثم احتضنت علياء قائلة:

نحن أشقاءك يا علياء، وسوف أدعو أن... وقبل أن تتم أميرة كلماتها، جاءت إليهما خلود وهي تحمل بين يديها طبق كبير به الكثير من السندويتشات اللذيذة. وضعت الطبق أمامهما قائلة:

هيا تفضلوا. أريد أن أحمل هذا الطبق من أمامنا فارغ تماماً.

ضحكت علياء قائلة:

كأنك لا تعرفينني يا خلود! سألتهم هذه السندويتشات وحدي.

ضحكت خلود ضحكات عالية ثم قالت:

ليتك تفعلين حبيبتي، ولكنني أعرف أن الطفل الصغير يأكل أكثر منكِ.

أردفت أميرة وهي تمضغ بعض الطعام قائلة:

أين بسمتي يا خلود!؟

قالت خلود وهي ما زالت تضحك:

بسمتك نائمة يا أميرتي، كأنها لم ترث منكِ سوى النوم الكثير.

ضحكت أميرة ثم قالت وهي مغمضة العينين ممددة الذراعين:

النوم هو عشقي، ولكن أعدك يا حبيبتي أنني لن أغادر هذا البيت قبل أن تصحوا البسمة وتملأ لكِ البيت بكاء.

قالت علياء بابتسامة:

ارحمي البنت يا أميرة. لقد شوهتِ خدودها المسكينة من العض.

ضحكت خلود ملء فيها ثم قالت:

الحمد لله. لقد عَرِفتكِ علياء على حقيقتكِ يا..

قامت أميرة من مجلسها وهي ممسكة بأحد الساندويتشات ثم قالت وهي تضغط على بعض الساندويتش بغيط:

لن أجلس معكما، سأعود إلى البيت، قد صدق الأقدمون حين قالوا:

من خرج من داره قللت خلود وعلياء من مقداره.

بدأت تمشي وهي تأكل، قالت خلود بدهشة:

هل ستأكلين وأنتِ في الشارع يا رمز الرقة!؟

قالت أميرة بغضب مصطنع:

نعم سأكل في الشارع. ما دخلكِ أنتِ!

همست علياء إلى خلود قائلة:

أول مرة أعرف أن أميرة مجنونة إلى هذا الحد.

نظرت إليها أميرة وهي ترفع حاجب وترخي الأخر ثم قالت:

سمعتكِ يا علياء ولن تنفعكِ خلود، ولن تنقذكِ من بين أسناني. ضحكوا جميعاً ثم تركتهما أميرة ومضت في طريقها إلى البيت.

************

 

الفصل الرابع

الهــــروب

 

قضى علاء الليل ساهراً يفكر ماذا يفعل، وأخيراً قرر أن يرحل عن الإسكندرية، لملم ثيابه وأحزانه ووضعها في الحقيبة بهدوء شديد، حتى لا يستيقظ خالد من نومه، ويعلم أنه سوف يرحل، قبل أن يخرج من الغرفة كتب له رسالة وتركها على المنضدة الصغيرة، وضع بداخلها مبلغ كبير من المال ربما يكفيه حتى يجد عملاً، خرج من الغرفة بهدوء، هبط إلى الدور الذي يسكن فيه عبد الله، دق الباب برفق وانتظر حتى فتحت له جميلة الباب، سألها على استحياء قائلاً:

أين عمي يا جميلة!؟

نظرت إليه وجدت الدموع تملأ عينيه، أردفت بدهشة قائلة:

ما بك يا أخي!؟ لم كل هذه الدموع بعينيك!؟

استطرد علاء قائلاً:

إني راحل يا جميلة، وأردت أن أسلم عليكم قبل رحيلي. سمعت أم جميلة كلمات علاء، صاحت برفق قائلة:

يا أبا جميلة.. يا أبا جميلة.

ــــ ما بكِ يا نجاة!؟ ماذا حدث جعلكِ تصيحين كالديك حين الصباح!؟

استطردت نجاة قائلة:

هل حدث شيء بينك وبين علاء يجعله يرحل هكذا؟

ــــــ علاء راحل!؟ لماذا يرحل؟

قالت نجاة بدهشة:

لا أدري لقد سمعته يقول لجميلة أنه راحل وأراد وداعك.. وسمعت جميلة تسأله لمّ كل هذه الدموع!؟

خرج عبد الله وهو يهمهم قائلاً:

اللهم أجعله خيراً يا رب العباد.

ــــ خيراً يا ولدي! هل هناك شيء!؟

قال علاء وهو ما زال يقاوم تلك العبرات التي ظهرت في عينيه:

لا شيء يا عم عبد الله، ولكنني راحل، وأردت أن أراك وأسلم عليك، وأستأذنك في إقامة صديقي النائم في الغرفة، بضع أيام حتى يجد عمل ومسكن جديد.

استطرد عبد الله قائلاً:

لا عليك يا ولدي. ضيفك هو ضيفي.. ولكن، لماذا الرحيل!؟

أردف علاء وقد أعلنت دموعه الثورة العارمة:

هروبُ جديد يا عمي، كل ما هربت منه، جاءني الآن يسعى.

أحتضنه عبد الله بين يديه وهو يمسح على رأسه قائلاً:

لا تقنط من رحمة الله يا ولدي، والله لن يضرك الله أبداً، فأنا أراك طيب القلب حسن النية، ارحل يا ولدي، لن أمنعك ولن أجبرك على شيء تكرهه، فليحفظك الله يا بن الطيبين.

انطلق علاء في رحلة عذاب جديدة لا يعلم إلى أين يذهب؟ بدأ يمشي والدموع تنهمر من عينيه كأنها شلال لا يتوقف، بعد أن تملكه التعب، وقف يتأمل شوارع المدينة.. وقف يودعها وأهلها الطيبين، فهو يرى جميع السكان عبد الله، وأخيراً توجه إلى محطة القطارات، لم يفكر لحظة في التردد أو الرجوع، ركب القطار المتجه إلى محافظة القاهرة!

جلس على مقعد بجوار النافذة، وبعد لحظات عاد بذاكرته للماضي القريب، بدأ يتذكر كيف كان يذهب من الإسكندرية إلى المحافظات القريبة والبلدان النائية ليرسل منها المال إلى أبيه حتى لا يعرفون أين هو، وفجأة حدث نفسه قائلا:

سوف أذهب إلى مكانٍ بعيد لا يعرفني فيه أحداً، وسوف أتدبر وسيلة أخرى أرسل بها المال لأبي دون أن يعرف أحداً أين أنا، وبعد أن مر عليه الوقت طويلاً كطول ليل الشتاء الموحش.

قرر أن يتخذ أسوان بلداً له، مرت عدت أيام وعلاء يمشي في الشوارع هائماً على وجهه..

يحمل حقيبته في يده ولم يجد مأوى يأوي إليه ويسكنه بصحبة أحزانه وآلامه التي لا تنتهي.

جلس على حقيبته في قطعة أرض بعيداً عن أعين الناس المتطفلين.. غلبه النوم من شدة إرهاق السفر بالقطار، نام وقضى عدت ساعات وهو غارق في نومٍ عميق وفجأة!

استيقظ على صوتٍ رقيق، وكلمات أرق من عطر الياسمين والبنفسج، تداعبه بها فتاة جميلة كجمال الزهور الأرجوانية الساحرة، النابتة في أبهى الحدائق المزهرة، فتاة في العقد الثاني من العمر. فتح عينيه وسألها في دهشة وعجب!

من أنتِ؟ لكنها ردت عليه السؤال بسؤال؟

ألم تقول لي من أنت أولاً!؟ اشتدت دهشة علاء، لا يدري ماذا يقول لها وبأي كلمات يجيب!؟ مرت لحظات صمت كأنها دهور.

استطردت الفتاة مرة أخرى وسألته قائلة:

ألم تعرف اسمك!؟

بأي اسم أناديك أيها الغريب الوسيم.

ابتسم لها قائلاً:

حقاً أنا غريب عن بلدتكم واسمي علاء.. الآن دورك أنتِ كي تجيبي!؟ من أنتِ وأي اسم هو لكِ. أم أنتِ كل الأسماء، ابتسمت له ابتسامة تزين كل الحدائق والوديان، ثم أردفت قائلة:

أنا سلمىَ هكذا يناديني أبي وكذلك أمي وصديقاتي ولا أعلم لي اسم سواه!

أتعلم!؟ والدي هو صاحب هذه الأرض. واسمه الشيخ ضاحي. هيا تعالى معي كي أعرفك إليه وتحكي له قصتك حتى يتمكن من مساعدتك.

مشى علاء بجانب سلمىَ، وأثناء سيرهما لم تجعل سلمىَ عينيها تغيب عن علاء لحظة تتأمله وكأنها تعرفه من قبل أن تراه، أما هو فالحيرة تمتلك قلبه والخجل يملأ عيناه ووجهه من أمر تلك الفتاة الحسناء، وأخيراً اقتربا من المنزل، ابتسمت سلمىَ قائلة:

هذا هو المنزل الذي تربيت فيه وما زلت اسكنه! دقت الباب بيدها الناعمة كنعومة الحرير. وقفت برهة من الوقت حتى فتحت أمها الحنونة فكانت المفاجأة عندما وجدت الغريب مع ابنتها وقبل أن تنبس الأم بكلمه أردفت سلمى قائلة:

إنه علاء يا أمي، شاب غريب عن البلدة، وجدته نائم وهو جالس فوق حقيبته في أرضنا فأحضرته إلى هنا كي يساعده والدي، أين هو أبي يا أمي الحبيبة!

أردفت الأم قائلة:

إنه بالداخل في غرفة مكتبه ادخلي إليه، أخذت سلمى طريها إلى والدها وهي شامخة كشموخ الشمس والأهرام. مشى علاء بجوارها وأقدامه تتعثر من شدة الخجل، عندما نظر إليها والدها ووجد بصحبتها شاباً وقف غاضبا ثائراً كثورة البركان، تملك الخوف والفزع قلب علاء المسكين، ولكن سلمى لم تدع والدها ينفجر غضبه، أسرعت إليه بابتسامتها الرقيقة تهدئ غضبه قائلة:

أهدأ يا شيخ ضاحي وسأخبرك بكل شيء.

جلس والدها مستنداً على مكتبه، وبدأت سلمى تشرح له القصة سريعاً، عرفته بالضيف المسكين الذي كاد أن يقفز قلبه من بين قضبان صدره. ثم أردفت قائلة:

إنه غريب عن الصعيد وجاء بحثاً عن عمل، هدأ الشيخ ضاحي، وبدأ الهدوء يعرف طريقه إلى قلب الغريب المسكين، وبدأ يحكي قصته لصاحب البيت وعندما وجد الشيخ التعب والإرهاق يظهران بعيني علاء..

 نادى على زوجته وابنته وأمرهما بإحضار الطعام، جلس مع علاء حتى تناول طعامه ثم أخذه إلى غرفة مجهزة لاستقبال الضيوف ثم قال له:

اخلد للنوم الآن ولنا بقية في الصباح إن شاء الله! أغلق علاء باب الحجرة عليه.. وهو في عجب من أمر هذا الشيخ الكريم وأسرته الصغيرة، لكن! من شدة التعب ومعاناة السفر غلبه النوم فنام دون مقاومة! في الصباح استيقظ الشيخ ضاحي من نومه مبكراً كما تعود طيلة أيام حياته.. ولكنه لم يجد الزوجة بجواره كما هي العادة، فقد استيقظت قبله بكثير لإعداد الإفطار، خرج ضاحي واتجه نحو البهو الفسيح، سمع صوت سلمى وأمها بالمطبخ الكبير، مكث غير بعيد عنهما، ثم سأل زوجته في نعومة قائلاً:

هل استيقظ علاء من نومه يا أُم سلمى، أم ما زال نائم!؟

ولكن؟ قبل أن يسمع علاء بمّ أجابت الزوجة عندما سألها زوجها. بدأ في إحداث ضجة خفيفة كي يعلم أنه مستيقظ في حجرته. دعاه إلى الإفطار وأثناء جلوسهما على مائدة الإفطار، بدأ يتحدث معه في أشياء كثيرة، ولكن؟

أثناء الحوار شعر الشيخ ضاحي بخبرة السنين بغموض من نوع خاص في حياة علاء، ولكنه لم يتدخل في حياته الخاصة، احترم الرجل خصوصية هذا الشاب المسكين، أخذ يطمئنه قائلا:

علاء أنا لم أنجب أولاد ذكور، ولم يكن لي سوى تلك الفتاة سلمى، فهي ابنتي الوحيدة، اعلم أنك من اليوم ستكون في منزلة ولدي، سوف تعمل معي في التجارة الخاصة بي، ملئت الدهشة عيني علاء مما سمعه من فيه الشيخ ضاحي، مرت الأيام والشهور وظل علاء يعمل معه بعزيمة الجبال وإصرار الطفل الذي يتعلم خطواته الأولى في الحياة، ولكنه شعر بالحنين إلى أهله وبلدته الصغيرة، شعر بالحنين لاستنشاق الهواء الذي تستنشق منه حبيبته!

************

أستيقظ عبد الفضيل من نومه مبكراً، كانت ريحانة قد أعدت الفطور وأيقظت الأبناء، جلس الرجل بجوار زوجته وأولاده أمام المائدة الصباحية، نظر إلى فارس ثم قاله له بابتسامة:

متى تظهر النتيجة يا فارس!؟

شحب وجه فارس ثم أردف قائلاً:

لمّ هذا السؤال كل صباح يا أبي؟ أتشك في قدرتي؟ أم أن لسؤالك وجه آخر يا أبا علاء!؟

وسعت ابتسامة عبد الفضيل ثم قال:

أردت أن أذكرك بوعدك لي فقط يا فارس.

استطرد فارس قائلاً بجدية قد ظهرت في نبرة صوته الهادئ:

أنا أذكر وعدي لك يا أبي، وسأكون الأول بإذن الله، سوف أكون من طلاب الثانوية العامة المتميزين، سوف ألتحق بقسم علمي علوم، ولن أذهب إلى ذاك الوباء المنتشر في كل مكان، نعم يا أبي لن أخذ درساً خصوصياً مهما كلفني الأمر من تعبٍ واجتهاد. وسوف أكون طبيباً من أشهر الأطباء إن شاء الله.. نظر إليه والده نظرة حانية ثم قال:

أعلم يا ولدي أنك سوف تفي بوعدك لي، أنت رجل يا فارس والرجال دوماً إذا وعدوا أوفوا، ولكن يا فارس؟ لا تجعل الشهرة هي أكبر همك. فكم من ناجح غير مشهور، وكم من مشاهير لا يستحقون الشهرة التي هم فيها.. اجعل الله يا ولدي أمام عينيك دوماً في كل فعلٍ تفعله، وأحفظه يحفظك. نظر فارس إلى أبيه وأمه قائلاً:

من أكل حلالاً طيباً لن يكون أبداً شقياً يا أبي، قام فارس وقبل رأس أمه وأبيه ثم اتجه إلى غرفته، وقبل أن يدلف من الباب سمع صوت أميرة قائلة:

لقد استحوذت على كل دعاء الصباح منهما أيها الفارس، نظر إليها أخيها بابتسامة ودلف إلى الداخل دون أن ينبس ببنت شفة.. انتهى عبد الفضيل من إفطاره، أخذا المواشي وذهب بهم إلى الحقل، بعد أن وضع لهم الأعلاف، جلس على شاطئ الترعة المجاورة لأرضه، وبعد لحظات انضم إليه العم فوزي، بعد أن ألقى عليه تحية الصباح، جلس بجواره قائلاً:

كيف أخبارك يا عبد الفضيل؟

ــــــ الحمد لله في نعمة من الله.

استطرد فوزي قائلاً:

أريد أن أتحدث معك في أمرٍ مهم يا أخي، أريد أن أعرف رأيك قبل أن نأتي إلى البيت ونشرب معكم الشربات بإذن الله.

ابتسم عبد الفضيل قائلاً:

قالوا قديماً يا فوزي كل إناء ينضح بمّ فيه، ولكن تحدث حتى يكون الأمر أوضح.

ضحك فوزي ثم قال:

الحقيقة يا عبد الفضيل، نحن نبحث لرمضان ولدي عن عروسة تكون أبنة أُناس طيبين، وعلمت منه أنه يريد خطبة أميرة ابنتك، فما رأيك!؟

نظر إليه عبد الفضيل بدهشة ثم قال:

أتدري كم عمر ابنتي أميرة يا فوزي!؟

ــــــــ عرفت من رمضان أنها في السابعة عشر من عمرها ما شاء الله.

استطرد عبد الفضيل قائلاً:

لا يرفض نسبكم أحداً يا أخي، ولكن. ابنتي ما زالت في حكم القانون طفلة، وأنت تعلم يا فوزي أنني لا أزوج بناتي وهن أطفال حتى أحفظ لهن جميع حقوقهن إن لم يكن لهن مع أزواجهن نصيب. ألا تعلم ماذا حدث لإبنة هشام الفران!؟ لقد زوجها دون قسيمة زواج، أنجبت ولداً ولم يكن لها مع زوجها نصيب، تردها من البيت ورفض أن يعترف بإبنه ولولا تدخل رجالاً ذو حكمة لكانت المصيبة أشد وطأة وقيلا.

أردف الرجل بضيق قائلاً:

ما هذا الكلام الذي تقوله يا عبد الفضيل!؟ ألم نتزوج نحن بنات أصغر من عُمر ابنتك؟ كم كان عُمر زوجتك حينما تزوجتها!؟ كم كان عُمر زوجتي حينما تزوجتها!؟

استشعر عبد الفضيل الغضب في كلمات فوزي، أردف إليه بابتسامة قائلاً:

كيف تزوجنا أنا وأنت يا فوزي!؟ ألم نتزوج في غرفة في بيت العائلة الكبير؟ كم دفعنا مهراً لهن؟ ألا تذكر؟ ماذا أحضرنا من جهاز؟ هل نسيت السرير ذو الأعمدة النحاسية يا أخي!؟

ثم أمسك فوزي من يده برفقٍ قائلاً:

لا تقارن أبداً هذه الأيام بأيامنا التي ولت ولكن، دع الله يفعل ما يشاء.

************

بعد طول انتظار وترقب، أخيراً ظهرت نتيجة الشهادة الإعدادية، لم يستطيع فارس الذهاب إلى المدرسة والوقوف أمام الكشوف المعلقة وبداخلها أسماء الناجحين، ذهب سُهيل لإحضار النتيجة، كلما اقترب من المدرسة تثاقلت خطواته وشحب لونه، كلما قابل أحد الشباب الذين أحضروا نتائجهم وجدهم كثيرين البكاء، عرف وأيقن أن النتيجة سوف تكون سيئة جداً هذا العام، دخل سٌهيل من باب المدرسة الكبير، بدأ يقترب من الكشوف وهو يقدم ساق ويأخر أخرى، تمنى في نفسه أنه لم يأتي إلى هنا، بدأ يتذكر يوم أن كان في مثل هذا اليوم، يومها كان علاء هو من جاء وأحضر له النتيجة، تذكر حينما دخل شقيقه البيت وهو محمر الوجه دامع العينين، حينها لم يستطع سُهيل السؤال، دخل غرفته وأغلق بابها وأنهمر البكاء الشديد، كلما حرك سُهيل يده على أسماء الناجحين ولم يجد أسم أخيه ترتعش أوصاله حتى كلد أن يسقط أرضاً، لقد وصل نهاية الكشوف ولم يجد أسم فارس، دمعت عينيه وأصفر وجهه، وقبل أن يتراجع للخلف عائداً إلى البيت، سمع صوت فتاة هامسة في دهشة قائلة:

فارس عبد الفضيل! لم يستطع سُهيل الوقف حتى يستمع لمّ تتكلم به الفتاة، تراجع للخلف سريعاً وقد اتخذت دموعه سبيلها نحو الأرض، استطردت الفتاة وقد علا صوتها قائلة:

كيف حصل فارس عبد الفضيل على مجموع أعلى مما حصلت أنا!؟ أنا ابنة مدير هذه المدرسة، كيف أحصل على مجموع أقل من فارس بستة عشر درجة، كيف يكون مجموعه مئتي وستة وسبعون درجه، عاد سُهيل إلى الكشوف مرة أخرى وهو ينظر لتلك الفتاة قائلاً:

أين هو؟ ما هو رقمه في هذه الكشوف اللعينة؟

قالت الفتاة بغيظ شديد وهي تشير إلى اسم فارس:

ها هو، رقم واحد. نظر سُهل إلى حيث أشارت الفتاة قائلاً:

تباً لي. كيف لم أرى هذا الكشف الصغير!؟ نظر فوق الكشف المعلق بجانب الكشوف الكثيرة وجده مكتوب عليه، أسماء الأوائل، قرأ الإسم كاملاً حتى لا يدع في قلبه مجالاً للشك، بدأ يمسح عينيه من أثر الدموع هامساً، الآن علمت لمّ كان وجه علاء مصفراً وعينيه دامعة.

عاد سُهيل إلى البيت والفرحة تسبق خطاه، قرر أن يخبر فارس بالنتيجة قبل أن يدلف من الباب، ويحدث له ما حدث معه حينما نظر إلى وجه علاء، بدأ سُهيل الإقتراب من البيت، عندما وصل وقبل أن يدق الباب صاح بصوتٍ جهورياً قائلاً:

لقد نجحت يا فارس، نجحت بمجموع مئتي وستة وسبعون، أنت الأول يا أخي، فتح فارس الباب كأنه كان واقفاً خلفه، نظر إلى سُهيل وهو لا يكاد يستطيع الوقوف على قدميه ثم قال بصوتٍ خافت:

بالله يا سُهيل أصدقني القول، هل نجحت فعلاً.

احتضنه أخيه ثم قال:

أقسم بالله أنك الأول يا أخي، لا تنظر إلى تلك الدموع في عيني فلها قصة طويلة، أنت الأول ومن بعدك خمسة أو ستة أسماء، ومن بينهم ابنة المدير.

أطلقت الأم الزغاريد وهي تنادي على عبد الفضيل قائلة:

لقد بر فارس بوعده يا أبا الغالي.

أردفت أميرة لأمها قائلة بابتسامة:

ما هذه الزغاريد يا ريحانة القلب؟ كنت في مثل هذا الموقف منذ عامين وكنت الأولى ولم تفعلي لي كما فعلتي الآن لهذا الفارس.

ضحكت أمها قائلة:

سوف أطلق الزغاريد لكِ حتى تصل إلى عنان السماء يا أميرتي ولكن؟ يوم عُرسك.

استطردت أميرة قائلة:

لا يا ريحانة قلوبنا، سوف تملئي البيت بالزغاريد العام القادم بإذن الله، يوم أن ألتحق بكلية الطب وأكون طبيبة، ثم نظرت إلى فارس بابتسامة قائلة:

سوف تكونين أم الأطباء يا ريحانة القلوب.

احتضنتها أمها بحنان وهي تهمس لها في أُذنها قائلة:

إذن سوف أملئ البيت زغاريد العام القادم ويوم زواجك يا أميرة القلوب وجوهرة هذا البيت.

مرت الأيام وبدأ العام الدراسي الجديد.

************

الحرية

 

في أحد أيام الشتاء البارد، كانت علياء في طريقها إلى الكلية برفقة صديقتها سناء، كان اليوم شديد البرودة كثير السحب والغيوم، تسيران في بطء وانكماش وفجأة، فُتحت أبواب السماء بماءٍ منهمر، أسرعت سناء واحتمت تحت مظلة محطة البنزين القريبة منهما، وقفت علياء تدور حول نفسها كأنها فراشة فرحة بضياء النور الآتي إليها من بعيد، مدت ذراعيها بجانبها وبدأت تدور وهي مغمضة العينين ناظرة إلى السماء، تستنشق ريح زخات المطر المتساقطة على وجهها بابتسامة ونشوة، تجمع من حولها فتيات وشباب كثير، صنعوا حولها دائرة يتسع قُطرها أمتار، وقفت سناء تتابع في صمت وهي مبتسمة، أُغلق الشارع وتراصت السيارات، الكل يتابع ما تفعله علياء في وسط الشارع بابتسامات صامتة، وفجأة جاءت إليها سناء تسعى، تشق الصفوف للوصول إليها، احتضنتها هامسة لها في أُذنها قائلة:

كفى أيتها المجنونة، افتحي عينيكِ وأنظري ماذا فعلتِ، قد أغلقتِ الشارع بجنونك، قد تجمع الكثير من حولك، بدأت علياء تفتح عينيها بهدوء ثم أردفت بابتسامة رقيقة قائلة:

ما بكم أيها البشر؟ هكذا أعبر عن حبي وفرحتي بالمطر! أما أنتم كيف تعبرون عن فرحتكم به!؟ تقولون إنكم تعشقون المطر وأنتم تحتمون منه تحت مظلاتكم. أهكذا تكون فرحتك بعائدٍ إليكم من بعد الغياب الطويل!؟ اتركوا لأنفسكم العنان كالأطفال، عيشوا حياتكم كما تريدون أن تعيشوها، وليس كما يحب الأخرين أن تعيشوا، عيشوا أحبتي واسعدوا بكل لحظات الحياة، إن العمر قصير وإن طالت وأيامه وأعوامه. صفق الجميع لعلياء، وكل من كانت تحمل مظلة، تخلت عنها وألقتها عالياً، وملئت صدرها بالهواء، مضت علياء وهي تضحك ملء فيها، همست لها سناء قائلة:

لماذا تحبين الشتاء هكذا يا علياء!؟

فتحت علياء ذراعيها وهي تستنشق الكثير من الهواء قائلة:

الحُرية! الحُرية يا صديقتي العزيزة. فمن أجلها أعشق الشتاء وزخات المطر.

ابتسمت سناء ومضت بجوار علياء دون أن تنبس ببنت شفة.

************

مرت الأيام وانقضى عام كامل، وعلاء بعيداً عن كل أهله وأحبابه بعيداً عن نفسه. بعيداً عن حبيبة قلبه علياء التي ملكت قلبه بل ملكت كل كيانه.. لم ينساها لحظة ولم تستطيع سلمى بكل رقتها ونعومتها وجمالها الفاتن أن تنسيه إياها. بدأ اليوم يراوده الحنين في الرجوع إليها، قلبه لم يهدأ يوماً ولم ينقطع عن مناجاتها بداخله. صورتها أمام عينيه ليل نهار، يراها في وجه كل فتاة تراها عينيه، فماذا يفعل المسكين؟ كيف يعود إليها بعد كل هذا الغياب؟

ذات ليلة، جلس علاء وحده يفكر في حبيبته الجميلة الرقيقة، أحذ يتأمل كل شيء حوله وكأنها أخر مرة يراه فيها فقد امتلكه الحنين إلى الرجوع. بدأ يتذكر كل حياته السابقة. يتذكر كيف رحل عن البلدة وتركها خلف ظهره هارباً إلى الإسكندرية، تذكر أيضاً كل كلمة سمعتها أذنيه من خالد يوم أن أستقبله وأخذه معه إلى عرفته الصغيرة.. ورغم هذا كله قرر أن يعود، كلما مرت الأيام والليالي، يزداد علاء تفكيراً في أهله وحبيبته الغائبة الحاضرة، اشتعل حنينه وشوقه إليهم جميعاً.. لم يعد يستطيع النوم.. كيف ينام وقد مر عام أو يزيد، وقلبه بعيداً عنه بعد السماء عن الأرض.. سأل نفسه ألف سؤال وسؤال، تراها تفكر فيه؟ أم أنه في وهمٍ وخيال، تراها ما زالت تذكره كما يذكر هو كل تفاصيل حياتها، آه. مسكين من أحب حتى تسرب الحب في كل أوردته وشرايينه، فهو إلى الآن لا يعلم إن كانت حبيبته في انتظار لقائه، أم أصبحت خطيبة غيره! وفجأة! نبض قلبه بين ضلوعه، كاد القلب أن ينفجر من نبضاته السريعة غير المنتظمة. خرج علاء من صمته قائلاً:

لا مستحيل. نعم. نعم مستحيل أن تكون لغيري مهما باعدت بيننا المسافات.. هي حبيبتي وحدي ولن تكون يوماً لغيري. أنا أحبها بل أعشقها كعشق الأرض لماء السماء.

هي وتيني ولم أتمنى يوماً سواها، ربما تكون هي أيضاً تحبني، نعم تحبني، فأنا أشعر بحبها من نظرات عينيها، غداً أعود إليها، أعود إلى حاضري ومستقبلي، آهُ علياء يا كل الحياة. فلتعلمي حبيبتي أنني لم أتمنى يوماً حبيبة سواكِ، أنتِ حبيبتي ومن بين كل النساء عرفتكِ حواءِ، اليوم أعود من أجلكِ.. أعود إليكِ محملاً بكل الحب والأشواقِ. حبيبتي. في عينيك عنواني، وقلبك أنتِ عالمي، آه. ما بال قلبي يناجيكِ ونبض الفؤاد يهواكِ..

************

في الصباح جلس علاء وحيداً يفكر كيف يرحل عمن أحبهم وأحبوه وأصبح ولداً لهم

كيف يبدأ كلامه معهم وبأي كلمات يشرح لهم عما بداخله.. مر الوقت وذهب علاء إلى حيث يقبع الشيخ ضاحي في مكتبه الكبير، دق علاء الباب برفق، أردف ضاحي قائلاً:

ما بكِ يا سلمى؟ لمّ تدقين الباب اليوم وأنتِ تدخلين كل يوم كأنك غزالة شاردة!؟

تبسم علاء قائلاً:

اليوم لم تكن سلمى يا عمي بل أنا علاء.

ــــ تفضل يا ولدي.. ثم استطرد قائلاً:

إن لم تكن ابنتي فالطارق هو ابني.

دخل علاء وجلس أمام ضاحي دون أن ينبس ببنت شفة، بدأ ينظر إليه والدموع ملء عينيه ثم أردف بعد برهة قائلاً:

أريد أن أتكلم معك في أمراً هام.

قال له بصوت هادئ:

تفضل يا ولدي. تكلم يا علاء حتى تفرغ أحزانك، قل لي ما تريد فأنا في انتظار سماعك! بدأ علاء الحديث بتنهيدة العشاق.. ثم تكلم بكلماتٍ ملؤها الألم قائلاً:

لقد قررت أن أعود إلى بلدتي وأهلي، ولكنني اليوم بين نارين، نار الحب والاشتياق، ونار البعد والفراق.. ابتسم ضاحي ابتسامة حانية ثم أردف قائلاً:

لماذا ترحل عنا يا علاء؟ هل أخطأ أحداً في حقك؟ هل أخطأت سلمى في معاملتك؟

قل لي يا ولدي، رد علاء مسرعاً:

لا. لا إنها أختي التي لم تنجبها لي أمي، ويعلم الله أنكم جميعاً أهلي.. نعم أهلي الذي من عليا الدهر بهم ولكن؟

عندي من الأسرار الكثير وأريد أن احكيها لك قبل أن ارحل وأعود إلى بلدي.. فقد ازداد لها حنيني وشوقي.

قال الشيخ ضاحي:

تكلم فأنا أسمعك.. ثم أمسك عن الكلام حتى يترك لعلاء المجال ليتمكن من الحديث عن أسراره الدفينة بين دقات فؤاده.. بدأ علاء الحديث بتنهيدة أشعلت النار من حوله.. أشغلتها بنار الحب والشوق والاشتياق واللهفة والحنين، تكلم بحس مرهف. تكلم بصوت ملؤه الحياء والخجل. همس قائلاً:

لي حبيبة في قريتي لم أنساها يوماً ولم تستطيع الأيام وقسوتها أن تنسيني حبها، كل يوم يزداد لها حبي وشوقي لرؤياها.. نعم لم أنساها ليوماً، كيف أنساها وهي تنبض بداخلي! كيف أنساها وهي دمي ووتيني.. تناديني في كل لحظة تناجيني في حلمي وواقعي، أراها في كل شيء من حولي، أراها في كل زهرة من زهور الحدائق والوديان. أراها في كل نجمات السماء.

أراها في نسمات الليالي. أراها في نور الصباح آه. اليوم أريد العودة إليها، أرجوك أن تسامحني نعم سامحوني جميعاً إن كنت قد أخترت أن أفارقكم، فقد أحببتكم كما أحب أهلي.

 أردف الشيخ ضاحي قائلاً:

على أي شيء نسامحك يا ولدي!

نسامحك على حبك ووفائك لمن أحببتها واختارها قلبك.. يا ولدي العزيز أنا لم أرى شاب مثلك طيلة حياتي، فمن يكون بداخله كل هذا الحب والوفاء، لن تعرف الكراهية يوماً طريقاً إلى قلبه.. إذهب إليها. بل إذهب إليهم جميعاً يا علاء ولكن لي عندك رجاء.. أردف علاء قائلاً:

أي رجاء لك عندي يا..

قال له الشيخ ضاحي رجائي ألا تنساني يوماً! رجائي أن تأتي يوماً لزيارتي وودي في أي وقت ومتى تشاء.. البيت يا ولدي بيتك وكل من فيه أهلك. أردف علاء مسرعاً:

نعم أنتم أهلي، أقسم لك أنني لن أنساكم يوماً. هل ينسى الجميل إلا اللئيم!؟

بعد برهة نهض علاء من مجلسه، دخل الغرفة الخاصة به وقام بوضع ملابسه في حقيبته وخرج إليهم والدموع تبلل خديه.. بعد أن ودعهم وودعوه انطلق في طريق العودة مسرعاً، تسابق خطاه الطريق فقد طال الغياب كثيراً عن محبوبته وأهله.

************

بدأ العام الدراسي الجديد، وبعد انتظار نتيجة مكتب التنسيق، ألتحق سُهيل بكلية الصيدلة، وأصبح فارس من طلاب المدرسة الثانوية، ولم يعد يفصل بين أميرة وكلية الطب سوى هذا العام، في أول يوم من الدراسة لم يجد فارس من يشرح له، جلس في الفصل هو وبعض الطلاب في انتظار مدرس يدخل عليهم ولكن الوقت مر دون أن يدخل أحد، انتهى اليوم الدراسي وعاد فارس إلى بيته وهو يسأل نفسه في صمت:

ترى أين المدرسين؟ أين باقي الطلاب؟ هل أصبحت المدرسة بلا مدرسين ولا طلاب؟ لماذا سمح أولياء الأمور لأبنائهم أن ينقطعوا عن الحضور؟ لماذا تكبدوا العناء في دفع المصاريف الدراسية؟

في اليوم التالي ذهب فارس إلى المدير يشكو له عدم وجود من يشرح له ومن معه الدروس، دق فارس الباب برفق وانتظر حتى أذن له المدير، دخل فارس وبدأ الحديث قائلاً:

سيدي. إنه اليوم الثالث في الدراسة ولم نجد مدرس يشرح لنا المواد الدراسية! نظر إليه المدير قائلاً:

ما أسمك يا بني وفي أي عام أنت!؟

قال فارس بأدب:

أسمي فارس سيدي، وأنا طالب من طلاب الصف الأول.

زجره المدير قائلاً:

في الصف الأول وجئت تشكو لي المدرسين، هيا اذهب وأفعل كما فعل الآخرون.

قال فارس بدهشة:

ماذا فعلوا الآخرون سيدي!؟

ثم استطرد فارس قائلاً:

هل ترك الآخرون المدرسة وذهبوا إلى الدروس الخصوصية؟ أم أن المدرسين استقالوا ولم تجد الوزارة غيرهم!؟ لماذا لم تفصلهم الوزارة وتعين غيرهم ممن ينتظرون فرصة مما منحت لغيرهم؟

نظر إليه المدير ثم قال بغضب:

اخرج من مكتبي الآن وإلا فصلتك أنت من المدرسة بصفة نهائية.

قال فارس بتحد وثقة:

سأخرج سيدي ولكنني أعدك بأنني سوف أذهب إلى الرقابة الإدارية غداً، وسوف أرسل فاكس إلى وزير التربية والتعليم، وبعد غداً سوف أرسل فاكس إلى رئيس الوزراء ثم إلى رئيس الجمهورية إن لزم الأمر.. سأفعل ما أستطيع لتعود المدارس كما السابق.. أتعلم سيدي؟

لقد وعدت والدي بأنني سوف أصبح طبيب بلا دروس خصوصية، وأنا دوماً أفي بوعدي.

ترك فارس مكتب المدير وخرج وهو يحدث نفسه قائلاً:

لمّ المدرسة إذن!؟ لماذا تخرج الشهادات وعليها ختم وزارة التربية والتعليم!؟ لماذا لم يستحدثوا وزارة ويطلقوا عليها وزارة الدروس الخصوصية!؟ لماذا تركوا هذا الوباء حتى انتشر وتوغل في مجتمعنا!؟ لماذا لا تحاسب الحكومة هؤلاء التجار الذين يمصون دماء الضعفاء!؟ مر اليوم وانقضى الليل، استيقظ فارس مبكراً، ارتدى ملابسه استعداداً للذهاب إلى الرقابة الإدارية وتقديم شكواه في مدير المدرسة، وقبل أن يخرج فارس سمع صوت والده قائلاً:

كيف حالك في الدراسة يا ولدي!؟

ــــ أي دراسة يا أبي!؟ أتعلم يا أبي. لقد ترك الطلاب المدرسة وذهبوا إلى الدروس الخصوصية، ولم نجد في الأيام الماضية من يشرح لنا الدروس، وحينما ذهبت إلى المدير أشكو له طردني من مكتبه قائلاً:

أفعل كما فعل غيرك من الطلاب، ولا تصدع رأسي بتفاهاتك.

أردف عبد الفضيل قائلاً بابتسامة ماكرة:

ماذا ستفعل إذن يا فارس!؟

ـــــ سأفعل ما كنت أنت لتفعله لو أنت مكاني يا أبي.

ابتسم عبد الفضيل دون أن ينبس ببنت شفة.

خرج فارس من البيت قائلاً:

سوف أفي بوعدي يا أبي ولكنني في حاجة للدعاء منكما أنت وريحانة قلوبنا.

************

الفصل الخامس

طريق العودة

 

كاد رأس علاء أن ينفجر من كثرة التفكير، بعد ساعات سفر بالقطار، ومثلها بداخل سيارة تحمل بين جنبيها أربعة عشر راكب، أصبح الآن على مشارف البلدة التي طال عنها الغياب، وقفت السيارة ونزل منها علاء، وقف يحدث نفسه قائلاً:

ترى من أي طريق أعود!؟ أشار إلى أحد الطرق وهو يهمس برفق، سوف أعود من هذا الطريق، إنه يمر من أطراف البلدة، نعم سوف أمشي فيه مستتراً بظلام الليل، وقبل أن يخطو خطوة نبض قلبه كأنه يحدثه قائلاً:

سوف نسير من جانب منزل حبيبة القلب وكل الكيان علياء، فهي في انتظار اللقاء منذ الغياب..

أردف علاء بصوتٍ خافت قائلاً:

آه كيف تكون في انتظار اللقاء وهي لا تعلم أنني آتي اليوم، سأكمل سيري من هذا الطريق. أكمل علاء سيره على الطريق المار من أطراف البلدة، يتحسس خطاه حتى يصل إلى منزله دون أن يعلم أحداً من البلدة عن حضوره شيء، أخيراً أصبح علاء أمام باب المنزل، وقف يسترد أنفاسه المتلاحقة، وبعد برهة رفع يده ودق الباب برفق فهو يعرف أن أهل البيت نيام، فقد تجاوزت الساعة منتصف الليل بساعة أو يزيد، وقف برهة في انتظار أن يفتح له الباب أحد من إخوته، ولكن الإنتظار قد طال ولم يفتح الباب، رفع يده ودقه مرة أخرى، همست ريحانة قائلة:

كأني أشم ريح علاء!

همس لها زوجها برفق وحنان قائلاً:

نامي يا أم الغالي وكفى أحلام. وقبل أن يعتدل عبد الفضيل في الفراش، دق الباب مرة أخرى، نهض عبد الفضيل ونزل من الفراش مسرعاً ومن خلفه ريحانة، توجه الزوج نحو الباب وقبل أن يفتح كانت ريحانة تقف من خلفه، حينما فتح عبد الفضيل الباب، وجد علاء أمامه مبتسماً، قبل أن ينبس أبيه ببنت شفة قالت ريحانة بشوق:

مرحباً بالغالي ابن قلبي، ألم أقل لك يا زوجي أنني أشم ريح علاء! أبتسم علاء قائلاً:

أين أنا من بن يعقوب يا أمي!؟

قبل أن يدلف علاء من الباب، كانت أميرة تقف خلف أبويها بشعرها المنسدل على كتفيها ووجها دون ترتيب، اتكأت على ظهر أمها قائلة:

هل تفسحا المجال للغالي كي يدلف ونغمره بالأحضان والقُبل!؟ دلف علاء وجد سُهيل وفارس يقفان في الصالة الصغيرة يفركان أعينهما من أثر النعاس، اكتملت العائلة حول علاء، بعد أن سلم الجميع عليه جلسوا جميعاً، وجلست ريحانة بجواره تحتضنه وقد امتلأت عينيها بالدموع، أردفت أميرة لأمها مازحة:

أراكِ تدمعين يا ريحانة القلوب! فلتصدقيني القول ريحانتي؟ متى تكف عينيك عن البكاء!؟

أردفت الأم قائلة بابتسامة:

حينما تكفين عن سؤالي يا أميرة قلوبنا. ضحك كل أفراد العائلة وهم يرمقون أميرة بنظراتهم، ومر الليل ما بين سؤال وجواب، وفي الصباح ذهب سُهيل إلى الجامعة وذهب فارس وأميرة إلى مدارسهم، ومع دقات الساعة الثامنة والنصف أو يزيد قليلاً، أخذ عبد الفضيل الماشية وذهب بهم إلى الحقل، لم توقظ ريحانة علاء، تركته حتى استيقظ من نومه مع دقات الساعة الحادية عشر، استيقظ على ريح طعام أمه الشهي، ابتسم وهو ما زال في فراشه ثم صاح قائلاً:

كم أشتهي ريح طعامك يا أمي رغم امتلاء الأمعاء في الغربة بكل أنواع الطعام!

أجابته ريحانة من المطبخ المجاور لغرفته قائلة:

هل يستطيع أحداً أن يطهو كما أطهو أنا يا بن قلبي!؟

أردف علاء قائلاً:

هل يملأ الحب قلب أحد كما يملأ قلبك يا أمي!؟

نهض علاء من فراشه، دخل المطبع ووضع قبلة على يد أمه ورأسها.. ثم خرج وذهب إلى المسجد لأداء صلاة الظهر، مر الوقت وعاد علاء إلى البيت بعد أن صلى الظهر، حينما دلف من الباب وجد والده قابع في انتظاره، جلس بجواره وبدأ يتحدثان، حكى علاء لوالده عن الحاج عبد الله وزوجته وابنته جميله، حكى له عن حسن ضيافة الرجل وكيف جعله في مقام ولده، حكى له أيضاً عن الرجل الذي أكرمه في أسوان، حكى له عن زوجته الطيبة وابنته التي تذكره بشقيقته أميرة، حكى له كيف جعل الشيخ ضاحي كل أمواله وتجارته بين يديه، وأثناء الحديث دخلت أميرة وفارس ومن خلفهم بلحظات دخل سُهيل، جهزت الأم مائدة الغداء، وضعت عليها كل ما لذ وطاب من بط وأوز وأرز وحمام، وكالعادة لم تترك أميرة هذه الوليمة تمر دون تعليق، أردفت لأمها قائلة:

أكنتِ تدخرين كل هذا البط والحمام والأوز للغالي يا أم الغالي!؟

ضحكت ريحانة قائلة:

كأنك كنتِ صائمة من قبل يا أم اللسان.

جلسوا جميعاً تناولوا الغداء، وبعد الانتهاء دخل عبد الفضيل غرفته لينال قسط قليل من النوم قبل أن يعود للماشية في الحقل بعد أن يستيقظ ويصلي العصر.

************

قبيل الغروب ذهب علاء إلى والده في الحقل، حينما وصل هناك وجد أبيه يجلس جلسته المفضلة تحت شجرة زرعها منذ زمن على شاطئ الترعة، جلس جواره ثم بدأ الحديث على استحياء قائلاً:

أبي أريد أن أتزوج.. نظر إليه والده بدهشة ثم قال:

تريد الزواج يا علاء!؟

ثم استطرد قائلاً:

هذا يوم المُنى يا ولدي ولكن؟ أنت ترى الحال بعينيك يا ولدي، أشقائك ما زالوا يدرسون في الجامعة والثانوية العامة، ولا يخفى عليك غلاء المعيشة وكثرة الإلتزامات والمصروفات.

أردف علاء بألم قائلاً:

أعرف يا أبي، ولكنني أخشى أن يسبقني أحداً ويخطبها.

ضحك عبد الفضيل قائلاً:

إن كانت تريدك سوف تنتظرك يا ولدي ولكن؟ قل لي من هي التي أحببتها إلى هذا الحد!؟

نظر علاء إلى السماء ثم أغمض عينيه قائلاً:

هي السماء والعلياء والخضراء، هي الأمل وسر الحياة، هي علياء ابنة عمي نجيب يا أبي.

أردف عبد الفضيل بدهشة قائلاً:

أين نحن منهم يا ولدي!؟

ــــ نحن لا ينقصنا عنهم شيء يا أبي.

استطرد والده بمرارة قائلاً:

بل ينقصنا عنهم كل شيء يا علاء، ألم ترى كيف تعيش علياء!؟ ألم ترى تجارة أبيها وأمواله!؟ لا يغرنك زواج ابن عمها من شقيقتك يا ولدي، فلتعلم يا علاء أن أبناء الفقراء أمثالنا لديهم قاعدة لا يخرجون عنها أبداً، إن أرادوا الزواج بحثوا عمن هم أمثالهم، نظر علاء إلى والده ولم ينبس ببنت شفة، عاد علاء إلى البيت محملاً بالأحزان والألم، مرت الأيام، ومع مرورها طار الخبر وانتشر في كل الأرجاء والأنحاء، ظل يرفرف حتى وصل إلى حب العمر وسر الحياة.

وصل الخبر إلى علياء لقد عاد حبيبها إلى البلدة مرة أخرى وقفت حائرة لا تدري ماذا تفعل؟

تفكر في توتر وقلق، تتكلم في غضب شديد لا تعرف سوى أنها تريد أن تراه، ولكن أين تراه؟ كيف تحدثه؟ لا تعلم شيء، وبعد توتر شديد، أغلقت عليها باب غرفتها وتزينت وتهيأت ثم وقفت تحدث نفسها من جديد قائلة:

لابد أن أراه، ولكن أين ألقاه؟ وفجأة نبض قلبها نبضات شوق وحب، همس بداخلها وكأنه يذكرها بركُن المحبين.. سمعت همسات قلبها بين أضلعها قائلة:

فلتذهبي حيث كان بينكما اللقاء.

همست علياء بصوتٍ ضعيف قائلة:

آه. إنه منزل خلود!

سوف أذهب إلى هناك، لابد أنها ذاهبة إليه، سوف أذهب معها بأي حيلة من حيل النساء حتى أتمكن من رؤياه.. ولكنها تتردد لحظة وتهمهم قائلة؟

آه. يا ويل قلبي كيف أذهب معها وأنا لم أدخل بيتهم إلا يوم عرسها، إذن سأنتظره حتى المساء، ربما يمر من أمام منزلنا وأراه، آه.. تراك ما زلت تذكرني أم آلفتُ في البعادِ غيابي، إنني الآن أنتظرك يا حب العمر وكل أيامي، فلتأتي الآن يا قلبي تراني الحين وأراك، أنا الآن قابعة وكل الشوق يملؤونِ، بعد عذاب وألم دامي مر اليوم، ولم تنم علياء لحظة تترقب حضور حبيب قلبها وعشق روحها، تنتظره في كل لحظة ولكن لم يأتي إليها علاء لتقر عينها ويذهب الحزن عن قلبها، ازداد عذاب علياء وانفطر قلبها، فقد مر يوما أخر ولم يأتي الحبيب إليها، تسأل نفسها قائلة:

هل نساني من أحبه وأهواه؟ ولكن كيف ينساني وحبه يملأ قلبي ووجداني!؟

آه يا دموع العين بوحي للحبيب الذي أهواه، قولي له إنني في أشد الشوق إلى رؤياه.. فهل مازال يذكرني، أم هان عليه الشوق وقد قسى قلبه في البعادِ ونساني، في اليوم التالي انفجرت دموع علياء وكأنها ثقب في غيوم السماء، صرخت قائلة:

لا. لا لن يستطيع يوماً نسياني فما الذي يمنعه عني، ظلت تبكي وتحدث نفسها وتواسي قلبها المجروح، أما والديها لا يعلمان شيء ولا يعرفان ما الذي يبكيها ليل نهار منذ أيام، قلبيهما يتمزقان خوفاً أن يكون مسها جن أو شيطان، في المساء دخلت ورد الغرفة على علياء وجدتها متدثرة بالغطاء، رفعت عنها الغطاء قائلة:

ما بكِ يا ابنتي الحبيبة؟ لمّ البكاء والانطواء!؟

نظرت علياء إلى أمها وعينيها تفيض من الدمع، اعتدلت علياء بجوار أمها ثم وضعت رأسها على صدرها وانهمرت بالبكاء الشديد، مسحت ورد على رأسها وهي تهمس لها قائلة:

أعلم ما يبكيكِ يا نبض قلبي ولكن، التمسِ للغائب دوماً من الأعذار ألف عذر، مرت دقائق وعلياء لم تتوقف عن البكاء ولم تستطيع الرد على كلمات أمها، بعد أن هدئت علياء خرجت ورد من الغرفة قائلة:

سوف أصنع لكِ الآن أجمل كوب من عصير المانجو الذي تحبينه، وبعده سأعٌد لكِ أشهى الطعام، كلي واشربي ودعي الله يفعل ما يشاء.

بعد أن خرجت الأم من الغرفة همست علياء في نفسها قائلة:

ترى ما الذي منعك عني؟ لماذا لم تأتي إليّ لتراني وأراك؟ آه. ربما تكون يا حب العمر مريض، فقد مر أسبوع وأنا أتعذب وحدي ولا أحداً يشعر بعذاب قلبي وآلامي، وفجأة! سمعت صوتاً هامساً بكلماتٍ كأنها تخرج من أعماق قلب قلبها، كلمات كأنها تبث في نفسها الأمل وتملأ قلبها يقين، سمعت كلمات لا تدري من أين تأتي إليها، سمعت صداها يتردد في كل الأنحاء والأرجاء.

مالي أراكِ في كل شيء من حولي

أراكِ في شاشة التلفاز وعلى الهاتف

وسقف الحجرة والجدرانِ

أراكِ في عيني حين أغمضها

وحين أفتحها

تكونين أول ما عيني تلقاه

أراكِ في فنجان قهوتي الصباحية

وفي رغيف الخبز وكل أشيائي

آه.. رفقاً بقلبي المسكين سيدتي

فإنني.. لم أعد كسابق أيامي.

قفزت علياء من مجلسها في اتجاه النافذة المطلة على الشارع الكبير، وقفت تنظر لمن يمر بجوار المنزل، تتأمل كل الوجوه، تبحث عن مصدر الصوت الذي هز كيانها، ولكنها لم تستطيع تحديد مصدر هذه الكلمات، همست بداخلها قائلة:

آه.. وكأنني الآن جننت، أسمع صوتك.. همسك.. أنفاسك.. فأين أنت الآن مني!؟

************

نساني حبيبي

 

مرت سبعة أيام على حضور علاء ولم يذهب لروية علياء، طوال هذه الأيام لم تنطق علياء سوى هاتان الكلمتان.. نساني حبيبي! ولكنها لا تعلم أن الموت وحده الذي يستطيع أن ينسيه إياها، فكيف ينساها والقلب ينبض دوما ً بحبها وعشق هواها. كيف ينساها والدم ينبض في العروق باسمها دوماً قائلاً علياء!

في اليوم الثامن وقت الغروب، جلست علياء في بلكونةِ منزلهم الفسيحة، جلست شاردة عابسة الوجه، جلست تهز قدميها بعصبية ثم همهمت بصوتٍ واهن قائلة:

نساني حبيبي، آه.. ربما لم أكن له الحبيبة يوماً، وفي نفس اللحظة التي همهمت فيها علياء قائلة نساني حبيبي، كان علاء جالساً أمام منزله ناظراً إلى السماء وكأن الأرواح مجتمعة، همس هو الأخر قائلاً:

لا. لن أنساكِ يا حبيبة القلب والروح والوجدان لن أنساكِ يا رفيقة العمري وكل الكيان.. كيف أنساكِ وأنتِ لي كل الهوى والذات!؟ كيف أنساكِ وقد حان اليوم موعدنا وآن الأوان للقاء.. كفانا اليوم حبيبتي ألم وعذاب! سوف أحضر اليوم إليكِ حتى ألقاكِ بشوق العيون ولهفة الظمآن للماء.. مر الليل وانقضت ساعاته وعلياء تجلس في انتظاره دوماً، لا تمل الانتظار، وبعد ثمانية أيام من العذاب والألم، استعد علاء اليوم لزيارة شقيقته وتوأم روحه خلود. فمنذ أن عاد إلى البلدة لم يخرج من منزله، قضى الأيام الماضية حائراً يفكر، لا يسأل نفسه إلا سؤال واحد، يسأل نفسه السؤال الذي راوده طوال غيبته الطويلة.. ترى هل هي في انتظاري أم لا؟ اليوم سوف أعرف وربما يرتاح الفؤاد، جلس بجوار ريحانة، يريد أن يسألها عن حال علياء وأخبارها، فهي الوحيدة التي تشعر بعذابه وألمه الدفين بين قضبان صدره، هي الوحيدة التي تستطيع أن تجيب عليه السؤال، ولكنه تردد وعاد إلى غرفته.. جلس على حافة سريره واضعاً وجهه بين راحتي يديه، وفجأة نبض قلبه بهمس العاشقين قائلاً:

فلتسأل أميرة ربما تشفي كلماتها قلبك المسكن، ولكنه نهر نفسه بعصبية وغضب، لا لن أسأل أحد عن حال قلبي. ولكن ماذا افعل؟ آه. إذن اليوم سأذهب إلى خلود ربما أجدها هناك ويرتاح القلب برؤياها، نعم سوف أذهب إليها، ربما أرتاح من هذا العذاب ونار الإنتظار، آه لن اذهب إليها ولكنني سوف ابتعد عن البلدة بضع أيام أخرى حتى تهدأ النار المشتعلة بداخل قلبي ووجداني، سوف أذهب لزيارة أحد الأصدقاء خارج بلدتنا الصغيرة وأمكث معه يوماً أو يومين، بعد هذا الحديث الدائر بين جوانب علاء صرخ قائلا:

لا لن أذهب إلى خارج البلدة بعد الآن، هل جئت من بعد الغياب حتى أبدأ الهرب من جديد!؟ آه من الحيرة والعذاب. آه من الخوف والضعف المهين.. كلمات همس بها علاء في صمت وفمه مليء بالمرارة من يأسه وخوفه وعذاب قلبه، حدث نفسه كثيراً ولا يدري ماذا يفعل؟ وفجأة نهض من مجلسه واستعد للذهاب إلى بيت فادي وخلود، فقد امتلأ قلبه حنين وهمس له قائلاً:

كفانا وكفاها عذاب.. اشتد غضب علاء من تردده وخوفه الدائم، أخذ يحدث نفسه بحدة وعصبية قائلاً:

لماذا أخشى لقاء حبيبتي ومهجة قلبي وفؤادي؟ أنا أشتاق إليها في كل لحظة وحين.. أتمنى رؤياها في أي وقت كرؤيتي للقمر في كبد السماء، هيا اذهب إليها كي يرتوي عطش الأيام الماضية، قام علاء في شجاعة الفرسان. استعد وتهيأ للقاء، توجه إلى منزل خلود، ولكنه توقف عن السير فجأة، لا يدري ماذا يفعل؟ أثناء سيره وهو يحدث قلبه بغمرة اللقاء، رأى من حرك في قلبه آلام الماضي وجُرح السنين.. رأى شاباً يقترب نحوه في ابتسامة الأطفال، وجده يقترب منه أكثر فأكثر، مد يده إليه وصافحه بحرارة الشوق والوحشة.. عانقه ورحب به من بعد الغياب الطويل، ولكن علاء لا يدري ماذا يفعل؟ هل يزجره ويريح قلبه المعذب؟

هل يقتله؟ هل يجره من تلابيب ثيابه؟

وأخيراً لم يفعل شيء سوى أنه مد له يده وعانقه هو الأخر وهو في دهشة من أمره، بعد أن فرغ اللقاء بينهما وقف حائراً يفكر.. هل يكمل الطريق من أجل شوق الحبيب. أم يعود من حيث جاء؟ وهنا ازدادت النار بداخله حرارة واشتعال.. بعد أن فرغ علاء من اللقاء ظل يحدث نفسه ويسألها قائلاً:

لماذا اليوم يقابلني أحمد؟ هل قابلني كي تتغير أحاسيسي ومشاعري وأعود محملاً بآلام وآهات من جديد؟ أم قابلني كي يزداد شوقي وتتأجج مشاعري واستبق الخطىَ للقاء من أحبها وأهواها. أخيراً اتخذ علاء القرار وواصل سيره إلى منزل خلود.. اقترب من المنزل وصعد دراجات السلم وقلبه ينبض كما لو كان يتسلق الجبال.. اقترب من باب الشقة ورفع يده يدق بها الجرس العالق بجوار الباب كأنه قوس الكيوبيد. ارتعشت يده كطفل صغير، مرت لحظات سريعة وكأنها دهر وفجأة وجد علاء الباب وقد تراجع إلى الخلف وكأنه خائف ممن يقف أمامه.. وقف في دهشة، مرت عليه لحظات كالأبله، عاجز عن الكلام لا يستطيع الحركة، وفجأة أردف قائلاً:

حقيقة أنتِ مثل شروق الشمس وبزوغ القمر؟ أم أنتِ خيال كعروس البحر وطيور الجنة؟

بشر أنتِ أم من سكان السماوات، ملاك أنتِ هبط على الأرض ليملأها نور وضياء!

ظل يهمس ويهمهم ثم استطرد قائلاً:

كنت أنا

الهامس لكِ

في ليل السكون

كنت أنا

قبطان سفينتكِ

أُبحر بكِ مبتعداً

عن بحر الأحزان

 والشجون.

كنت أنا

الناظر إليك

بعيني الباسمة

لأبعد عنكِ

كل الظنون

كنت أنا.!

مجرد ذكرى

تراود أحلامك

أما أنتِ؟

فكنتِ لي كل العوالم

وما زلتِ كل الحب والجنون

تغزل في عينيها الصافية كسماء الربيع، تغزل في خديها الحمراوين.. تغزل في شعرها المسدول على كتفيها. بدأ قلبه ينبض بداخله يكاد أن يقفز من بين قفصه الصدري. ولكنه لا يفهم ماذا يقصد نبض قلبه الخافق بين ضلوعه، فكل ما يشعر به هو حنينه ولهفته لضمها بين يديه. تأملها كثيراً في صمت، تأملته هي الأخرى كأنها تريد أن تحفظه بين الضلوع، نسيت برؤياه عذاب الأيام الماضية، وفجأة بعد تأمل وغزل دام لحظات. ابتسمت له ابتسامة مشرقة دون أن تنبس ببنت شفة، وفي لحظة الحب والشوق، قطع عليهما صوت خلود الهيام، فإذا بصوتها يعلوا منادياً على من ذهبت تفتح الباب.. فقد طال الانتظار ولم تعد إليها، نادت بصوتٍ جهورياً قائلة:

علياء! وهنا خرج علاء من هيامه وشوقه، ابتسم لها ابتسامته الحنونة، ولكنه قبل أن ينبس ببنت شفة، قالت له كلمة ينتظر سماعها منذ زمن بعيد، قالت كلمة تخرج من حنايا قلبها!

قالت كلمة تخرج من أعماق ذاتها! أردفت إليه قائلة:

حبيبي علاء! طال إليك انتظاري وازداد إليك شوقي وهيامي.. لماذا تأخرت؟ ما الذي منعك عني؟ لم تدع علياء له فرصة للرد والإجابة، ابتسم علاء قائلاً:

حبيبتي نعم أنتِ حبيبتي. أشعر بكِ بداخلي، أشعر بقدومكِ نحوي، داعبته بكلمات رقيقة وبسمة حانية، أردفت قائلة:

من تقصد يا من ملكت قلبي وأخذت عقلي! ابتسم لها قائلاً:

أقصدكِ أنتِ. أنتِ حبيبتي وحياتي.. أنتِ نبض قلبي ووتيني. أنتِ حبي وهيامي. نعم أنتِ حبيبة قلبي واعشق روحي علياء.. دخلا سوياً وجلس كل منهما وبدأ يكشف عن مشاعره للأخر.

************

الفصل السادس

نعم أنا علياء

 

بدأت علياء الحديث بهمساتها قائلة:

أنا في انتظارك حبيبي. نعم في انتظارك منذ أن رحلت عني وكانت عيني تترجاك وتستحلفك ألا ترحل عني أو تغيب..

لكنك رغم توسلاتِ ورجاء عيني وهمسات شفتي زاد عنادك وقررت أن ترحل عني، رحلت وتركتني أتعذب وحدي بنار الفراق والألم.. قررت أن ترحل وأنت لا تدري كم أتعذب برحيلك، وغيابك.. قررت أن ترحل ولا تدري كم أنا اشتاق إليك وأنت معي.. أشتاق إليك وأنت بجانبي! آه حبيبي لم أفكر يوماً في أحداً سواك.. أنت حبيبي. أنت قلبي النابض بين ضلوعي. أنت الدماء في أوردتي وشراييني. أنت نفسي لا بل أنت كل كياني..

ابتسم علاء قائلاً:

دعيني أعزف لكِ أجمل الألحان، أنتِ حبيبتي ومهجة القلب وعشق الفؤاد، حبيبة عمري وروح الروح، الوقت ليس وقت العتاب فاسقني حبيبتي من شهد عينيكِ. قبلي قلبي الذي يخفك وينبض إليكِ. أشبعي عيني بجمال وجهك المنير وحمرة وجنتيكِ، فكفانا عتاب ودعينا نحيا ونخلد قصة حبنا في التاريخ كمن سبقونا من العشاقِ.. حبيبتي دعينا ننسى العذاب ونحلم بالحب الجميل فأنا عندي من الشوق الكثير.. ولكن. أريد أن أعلم كل شيء عنكِ طوال غيبتي ورحيلي، وهنا أردفت علياء قائلة:

يا حبيبي سل عيني تجيبك دموعي.. سل قلبي تجيبك دقاته التي لم تكف يوماً عن مناجاتك كل صباح ومساء.. بعد كل هذا الشوق والعتاب، بدأ علاء يحدث حبيبته بكل أحاسيسه ومشاعره.. بدأ يصف لها لهفته وشوقه إليها، يسقها ويشرب من معسول الكلام.. ثم سألها قائلاً:

هل افتقدتني يوماً أو فارقك الحنين إليَ؟

أجابته بابتسامتها التي لم تعد تفارق محياها قائلة:

من يقول أنني افتقدت أو نسيتك!؟ هل تنسى الشمس أن تشرق يوماً؟ هل ينسى القمر أن يزين السماء وسط كل النجمات؟ يا حبيبي من يستطيع أن ينسى نفسه طرفة عين؟ لا لم أنساك لحظة ولم أتوقف عن التفكير فيك يوماً، كنت أناجيك في بسمة الأطفال. كنت أحدثك في ضوء القمر. كنت أبحث عنك في كل مكان. كنت أبحر إليك في أعماق ذاتي.. كنت انتظرك كل صباح. كنت أترقبك حينما يأتي المساء.. وهنا أمسكت علياء لسانها عن الكلام..

ابتسم علاء إليها قائلاً:

ألم يخبرك القمر عن حبي واشتياقي؟ ألم يحكِ لكِ عن مناجاتي وحنيني إليكِ؟ ألم يصف لكِ معاناتي وعذابي ويهب لكِ غرامي.. آه. كم كنت أحمله لكِ سلام طيباً وأغدقه بالقبلاتِ. وفي تلك اللحظات الساحرة، دخلت عليهما خلود، نظرت إليهما مبتسمة مرة تلو أخرى.. تتأمل أحدهما بعد الآخر، تذكرت كلمات زوجها الذي قالها من قبل، وضعت أكواب العصير من يدها وداعبتهما قائلة:

لقد ألهبتما الجو ناراً بنار الحب والشوق وكل هذا الغرام. كفاكما شوقاً.. ستحرقان الغرفة لي فما ذنبي.. فلترحما أمي واشربا العصير.. ثم رفعت خلود يدها إلى الله وهمست بكلماتٍ لم يسمعاها العاشقين، ولكنهما يفهمان ماذا تعني هذه الكلمات.. نظرا إليها تأملاها ثم ابتسما.. وسبحت أيديهما في عناق كبير، انسحبت خلود من الغرفة بنعومة القطة ورقة الفراشة.. مع مرور الوقت بدأ علاء يحدث حبيبة قلبه علياء، نظر إليها تأمل ملامح وجهها الطيب طيبة الأرض، تأمل عينيها الخضراوين الجميلتين كجمال مراكش الخضراء حين الربيع.. أمسك يدها وقبلها ثم أردف بحبٍ قائلاً:

جلسنا سوياً نتسامر

نتجاذب حكايات هوانا

ومضه عشق. لحظة فكر

والأخرى عتاب

قالت تلك الكلمات

لا تعبث دوماً بالأشياء

أحبك حقاً كيف تشاء

ليس حنيني إليك رياء

فالحب لقاء

أشواق ... قبلات

همسات دوماً ووفاء

لكن هل أنت حبيبي تهواني

تعشق قلبي ووجداني

تنسى الذكرى ولا تنساني

قلت وقلبي يعصانِ

لا.!

الحب تقارب أفكار

دفئ في الليل

الغارق بالأمطار

الحب شعاع وضياء 

قبساً من نور الفجرِ

نظرتُ. وجدتُ

بجانبها الأطلال

تتناثر كغبار الدخان

والقلب العاشق كالبركان

يزجرني بحدةٍ ويسألني

ماذا؟ قلت...

أنتِ يا عمري بأعماقي

أصبحتِ القلب النابض بالإحساس

أتنفس عبق الأشواق

وإن هجرت عينيكِ سمائي

تتناثر أحشائي كالطلقات

تهجرني تغادر أجوائي

ابتسمت ... قالت

علمني حبك أن أبقى

شامخة كشموخ الأهرام

علمني أن أنسى الذكرى

إن كانت تغمرها الأوهام

والآن أقول وأعلنها

أحبك حقاً كيف تشاء

نظرت علياء في عينيه قائلة:

أما زلت تكتب للفتيات شعراً؟ أما زلت تغازل البنات!؟

قال علاء بابتسامة:

يا ويل قلبي من غيرة النساء، فلتعلمي علياءُ أنني لم أعُد أُبصر في الوجودِ سواكِ. وفي تلك اللحظة دخل عليهما فادي حاملاً على كتفه بسمة الصغيرة، نظر إليهما كأنه لا يعلم عن حبهما شيء، سلم على علاء بحرارة وشوق فهو الصديق المقرب إليه، ثم أردف بعد برهة قائلاً:

ألم تشتاق إلى تلك المزعجة الصغيرة؟

ضحك علاء قائلاً:

كيف لي ألا أشتاق إليها وهي بسمة قلبي.

استطرد فادي وهو يضع بسمة على كتف علاء:

فلتأخذها معك إن شئت ثم أفسح لهما المجال وترك لهما الغرفة وخرج، بدأ علاء في مداعبة الصغيرة وغمرها بالأحضان والقبل، وهي تلعب معه كحملٍ وديع، ولكن؟ بعد كل هذا الحب والهيام بعلياء بدأ السؤال يراود شفتيه.. السؤال الذي عذبه طوال رحلته وجعله ساهراً طوال الليل، يريد أن يتحقق مما سمعه من خالد، يرد أن يستريح قلبه ويطمأن فؤاده.. نظر إلى علياء وهو لا يدري كيف يبدأ؟

بدأ يتكلم لحظة ويصمت لحظات، حبيبته لا تفهم كلمة مما يقول، ابتسمت ثم أردفت إليه قائلة في نعومة:

أرى في عينيك أسئلة كثيرة، قل لي أي شيء تريد أن تعلمه مني وعني يا كل العمر.

قال علاء بصوتٍ واهن:

هل جاءت عائلة عمران إليكم؟ في أي شيء كانوا يتحدثون فيه مع والدك؟ هل كما سمعت أم أننا قد أصبحنا كالسحرة نضع كلمة صادقة في ألف كذبة!؟

أمسك علاء عن الكلام وكأن الفجر قد أدركه ولاح في الأفق نور الصباح، ازدادت دهشته عندما رأى علياء تبتسم وتهمس له قائلة:

نعم جاؤوا إلينا وتحدثوا في أمورٍ كثيرة، ولكن ماذا تريد أن تعلم؟ سلني فأنا عندي لك الجواب.

************

الغـضب

عندما سمع علاء الكلمة تخرج من بين شفتي حبيبته، شحب وجهه وتغير لونه كأنه عائد من بين الأموات، نظرت إليه علياء وجدته وكأنه إنسان أخر لم تعرفه من ذي قبل، لم تتعود على رؤياه، وجدته قد استعد للرحيل ومغادرة المكان دون أن يعلم منها الجواب، أمسكت يده قائلة:

هل سترحل قبل أن تسمع مني الجواب؟ هل ستظل دوماً خائف من المواجهة ومعرفة الحقيقة مهما كانت صعوبتها!؟ ثم استطردت بعد برهة:

علاء. حبيبي. أعرف عنك العناد والإرادة والعزيمة القوية والإصرار، لمّ لا تواجه كل مخاوفك!؟

نظر إليها دون أن ينبس ببنت شفة، فهو يخشى خروج الكلمات من بين شفتيها كأنها خنجراً يقتله. خائف أن تكون كلمات علياء هي الصدمة التي تقتله، ولكنها ترفض أن تدعه يرحل، أمسكت يده بقوةٍ ثم ابتسمت له قائلة:

نعم لقد جاءت عائلة عمران إلينا وتحدثوا في أشياء كثيرة مع والدي، ولكن أي شيء تريد أن تعلمه؟ هيا تكلم يا من تسكن قلبي وتملك فكري وعقلي، تكلم يا من تسكن دقات فؤادي وتسيطر على أحاسيسي ومشاعري! تكلم يا من أنت أنا..

أتريد أن تعلم هل وافقت على الخطبة أم لا؟

سلني فأنا عندي الجواب؟

نعم لقد.. ثم سكتت علياء قليلاً.. نظرت إلى عيني علاء التي ظهرت فيهما الحيرة والقلق.. فهو في انتظار الجواب كانتظار الأم مولودها الجديد، نظر إليها بغضبٍ شديد، لكنه لا يملك سوى أن ينتظرها حتى تكمل حديثها كي يرتاح قلبه، وفجأة نطقت علياء الكلمة التي طال إليها الانتظار، آه. لقد أطلقتها علياء من بين شفتيها الجميلتين كصاروخ الفضاء.. أردفت بشوق المحبين قائلة:

لقد رفضت الخطبة ولن أقبل غيرك حبيب عمري، لن أقبل غيرك يشاركني حياتي وأشاركه حياته، لن أقبل رجلاً أرتاح براسي على صدره إلا أنت! لم يتمالك علاء نفسه، التقط أنفاسه المتسارعة وشعر براحة تغمره حتى أخمص قدميه.. احتضنها بين ذراعيه كأنها قطعة من جسده، احتضنها كأنها حواء التي خلقت من ضلعه، نعم إنها كذلك. لا بل هي كل كيانه وذاته. هي الهواء الذي يتنفس منه ليل نهار. هي قلبه النابض بين أضلعه، هي عيناه التي يبصر بها كل شيء جميل، أعلنها علاء صراحةً بكلمات الحب والشوق والأمل قائلاً:

مالي لم أعُد أُبصر في الوجود سواكِ

القلب أصبح الآن قلبكِ

والروح بكل الشوق تهواكِ.

مرت الساعات وانتهى اللقاء، عاد علاء إلى البيت وهو في عالم مليء بالأحلام، حينما دخل البيت وجد أميرة ما زالت قابعة في انتظاره، مر من أمامها وكأنه لم يراها، لم يشعر بوجودها، دخل غرفته وقبل أن يوصد بابها أردفت أميرة قائلة:

طول عمري بخاف من الحب، وسيرة الحب.

أردف إليها علاء بدهشة قائلاً:

أما زلتِ مستيقظة أيتها المجنونة؟ أليس عندك مدرسة في الصباح؟

أردفت أميرة بابتسامة:

هل ينام العاشقين؟

ثم استطردت:

كنت أذاكر مادة الكيمياء، وأنت تعلم أنها حبي وعشقي الأبدي، ولكن قل لي أنت.

لمن كل هذا الوجد والهيام!؟

نظر إليها علاء مبتسماً ثم قال:

سأخبرك عندما تكبرين أيتها المجنونة الصغيرة.

أردفت إليه أميرة قائلة:

أقسم لك أنني كبيرة بمّ يكفي لأعرف بنفسي ولكن؟ لن أخبرك وسأتركك تظن أن لا أحد يعلم بسرك الصغير.

أردف علاء إليها وقد تملكه الفضول قائلاً:

حقاً تعرفين لمن هذا الحب يا أميرتي!

ضحكت أميرة وقالت وهي تهز رأسها:

نعم أعرف أيها الغالي.

ـــــ إذن أخبريني أن كنتِ تعلمين.

نعم سأخبرك أيها العاشق الولهان.

ــــ هيا أخبريني، إنني لم أعد أستطيع معكِ صبراً.

أغلقت أميرة كتابها ثم قالت:

سأخبرك يا الغالي ولكن؟ حينما تكبر، ضحكت أميرة بصوتٍ عالي ثم دخلت غرفتها تاركة علاء في حيرة ودهشة، جلس يفكر وهو يهمس في نفسه قائلاً:

ترى هل تعلم أميرة حقاً بحبي الشديد لعلياء!؟ هل يعلم كل من حولي بقصة حبي وأنا الجاهل الذي ظن أنه أعلم أهل الأرض.. بعد تفكير عميق فيمّ قالت أميرة، أستسلم علاء للنوم وفي الصباح، ذهب علاء إلى قسم الجوازات لاستخراج جواز سفر ربما يستخدمه ذات يوم، بعد أن قدم الأوراق للموظف المختص، نظر إليه الرجل قائلاً:

أين تحديد موقفك من التجنيد يا أستاذ!؟

قال علاء في بلاهة:

لم أدخل الجيش بعد.

ــــ هل معك تأجيل مؤقت؟ هل معك معافاة من الخدمة؟

أردف علاء قائلاً:

لا. ليس معي هذا ولا ذاك.

ــــ إذن خذ هذه الأوراق وعد إلينا بعد تحديد موقفك من التجنيد.

أخذ علاء الأوراق من يد الرجل، وقبل أن يعود إلى البيت، ذهب إلى مكتب التجنيد لتحديد موقفه واستخراج الجواز. أخذ بطاقة التجنيد وفي اليوم التالي توجه للمنطقة التابع لها، ودائماً تأتي الرياح بمّ لا تشتهيه السفن، فقد جائه الترشيح ضابط احتياطي، امتلئ قلبه يأساً وخوف، خاف أن تضيع ثلاث سنوات من العمر وتضيع معهم علياء. يريد أن يكون مجرد جندي يقضي عام واحد ثم يخرج للحياة من جديد، وذات يوم عاد علاء من المنطقة سارح العينين، جلس في غرفته وحيداً وفجأة! دخلت عليه ريحانة قائلة:

ما بك يا ولدي؟ لمّ كل هذا الحزن في عينيك؟

ــــ غداً يكون اليقين يا أمي، إما ضابط وإما جندي.

أردفت الأم قائلة:

دع الأمر لله يا علاء، لا أحداً يأخذ من الحياة غير ما كتبه الله له.

قال علاء في استسلام:

ونعم بالله. ونعم بالله يا ريحانة قلوبنا.

************

كن إيجابي

 

ذات ليلة جلست أميرة أمام التلفاز هرباً من ملل المذاكرة، أرادت أن تشاهد بعض البرامج التليفزيونية، بدأت تقلب القنوات في ضيق، كل البرامج تشبه بعضها، كلها حملات تسول تحت عنوان التبرع، سألت نفسها قائلة:

إن كنا نتسول على شاشات الفضائيات فلمّ نهاجم من يتسولون في الشوارع والقطارات؟ أين تذهب أموال الضرائب العقارية وضرائب السيارات؟ أين تذهب الضريبة المضافة التي أنهكتنا؟ وفجأة! صاحت بصوتٍ جهورياً قائلة:

فارس. يا فارس. أنت يا فارس..

أردف فارس بدهشة قائلاً:

ما بك يا أميرة!؟ لمّ كل هذا الصياح!؟

ــــ إنهم يتحدثون عنك في التلفاز أيها الفارس

تجمعت الأسرة كلها أمام التلفاز، جلسوا يشاهدون ويسمعون في صمت، بدأ مقدم البرنامج الحوار قائلاً:

اليوم نناقش قضية هامة، قضية أرهقت الأسر المصرية وخاصة الأسر الفقيرة، قضية فجرها طالب ثانوي منذ وقت قريب، ورأينا أن خير من يحدثنا في هذه القضية هو الرجل المسؤول الأول عن محاربتها وبترها من الجذور، اليوم معنا السيد وزير التربية والتعليم، دعونا في البداية نرحب بسيادة الوزير، مرحباً بك معنا على الهواء سيدي الوزير.

أردف الوزير قائلاً:

مرحباً بكم جميعاً.

ــــ قل لنا يا سيادة الوزير، ما هي أصل الحكاية؟ من هو هذا الطالب الذي فجر هذه القضية دون خوف أو تردد!؟

استطرد الوزير قائلاً:

البداية كانت منذ ما يقرب من العام، بدأت الحكاية بتسلمي خطاب من طالب في الصف الأول الثانوي، بدأ خطابة قائلاً:

سيدي الوزير. بعد التحية الطيبة.

أريد أن أسأل سيادتكم سؤال.. لماذا ما زلنا نبني المدارس ونشيدها حتى الآن؟ ما أهميتها في بلدنا؟ لمّ نتكبد العناء تحت الأمطار وفي الأوحال ذهاباً وإياباً إلى المدارس رغم أننا لم نجد من يشرح لنا دروسنا هناك؟

سيدي الوزير، لمّ لا نشكل وزارة جديدة ونطلق عليها وزارة الوباء المسمى بالدروس الخصوصية؟

سيدي الوزير، لماذا نستلم الشهادات وعليها خاتم وزارة التربية والتعليم، وخاتم وزارة التعليم العالي رغم أننا خريجي الدروس الخصوصية.. أمسك الوزير عن الكلام لحظات ثم أردف قائلاً:

لقد قرأت هذه الرسالة مرات ومرات، وقفت كثيراً أمام جملة كتبها هذا الطالب، شعرت بالمرارة بين السطور حينما خاطبني قائلاً:

سيدي الوزير. لقد ذهبت إلى غرفة مدير المدرسة أشكو له غياب المدرسين فزجرني قائلاً:

افعل كما فعل زملائك، وأخرج من مكتبي ولا تدعني أراك مرة أخرى.

سألته ماذا فعل زملائي الأخرين أجابني قائلاً:

لقد ذهبوا إلى الدروس الخصوصية وأراحوا أنفسهم.

حقاً سيدي الوزير لقد أراحوا أنفسهم ولكنهم أتعبوا أهليهم وأرهقوهم.

حينها رأيت في هذا الطالب الذي رفض السلبية، وتصرف بكل إيجابية مستقبل هذا البلد. قالها وهو يشير إلى صورة فارس عبد الفضيل، ثم استطرد قائلاً:

شكلت لجنة سريعاً، وجعلتها سرية لا يعلم بها أحد، جعلتها تجوب المحافظات والقرى بحثاً عن حقيقة ما جاء في هذا الخطاب، وقد وجدوا أن كل كلمة قالها هذا الفارس ها هي إلا قطرة في بحر، حولت أكثر من مئتي مدير مدرسة للتحقيق وتم فصلهم من الوظيفة، وحولت أكثر من خمسة ألاف مدرس ومدرسة للتحقيق وتم حبسهم ومصادرة أملاكهم التي تكونت بدماء الفقراء والأغنياء سواء.. وبعدها تم تعين بدائل لهم من الخريجين الشباب الذين يحلمون بمستقبل واعد لهذا البلد العظيم، وتم تنقيح المناهج الدراسية، لم نعد ندرس لأبنائنا الأكاذيب، لم نعد نحشو أدمغتهم بالخرافات، لم نعد نعلمهم إلا حقائق أجدادهم وتاريخهم العظيم، لم نعد نضحك عليهم ونقول لهم أن الأرض كروية أو أن البشر صعدوا إلى المريخ، والفضل لله عز وجل ثم لهذا الطالب فارس، هو من أحدث الشرارة التي أشعلت الحرب على هذا الوباء المنتشر، ومن هنا أوجه له تحية شكر وتقدير، وأقول له أنت فخرُ لأبيك أيها الفارس، لقد تعاملت مع السلبيات بواقعية وإيجابية، أتمنى لك التوفيق يا ولدي وأتنبأ لك بمستقبل باهر بإذن الله.

انتهى البرنامج وأصبح فارس عبد الفضيل من المشاهير رغم سنه الصغير.

************

الفصل السابع

شيء من الماضي

التحق علاء بصفوف القوات المسلحة، أصبح جندي من جنود سلاح المشاة، السلاح الذي كان له دوراً عظيماً في حرب أكتوبر المجيد.. السلاح الذي دفن للعدو الصهيوني الكثير من الدبابات الحربية في الرمال وجعل أرض سيناء مقبرة لهم..

في اليوم الأول وبعد انتهاء طابور اللياقة الصباحي، جلس علاء في ركن منعزلٍ شارد العقل سارح العينين، سبح في أطلال الماضي القريب، تذكر كلمات والده عندما أخبره بأنه يعشق علياء ويريدها زوجة له، رجته كلمات والده رجاً، أين نحن منهم يا ولدي؟ دمعت عيني علاء وامتلئ وجهه حزناً وألم، خرج علاء من شروده على صوت زميلٍ له بهمسٍ شديد:

ما بك يا زميل؟ لمّ كل هذا الحزن والألم؟

أردف علاء قائلاً:

أريد أن أكون ثرياً.

ضحك زميله قائلاً:

ألم يكفيك نعمة الستر الذي أنعم الله بها علينا!

استطرد علاء بابتسامة:

هكذا يقول لي والدي دوماً.

ـــــــــــ كأن جميع الآباء متشابهون يا زميلي العزيز.

ضحك علاء قائلاً:

نعم هم كذلك.

نظر الشاب إلى علاء ثم قال بجدية وحماس:

ما رأيك في السفر إلى إيطاليا يا زميل!؟

قال علاء بدهشة وعجب!

إيطاليا! من أين لي بثمن التأشيرة يا زميل.

ــــــــ من قال أنك في حاجة إلى تأشيرة!؟

كيف أذهب إليها إن لم يكن معي تأشيرة.

ــــــــــ أتعرف مدينة السلوم؟

نعم أعرفها. فمن منا لا يعرفها وهي البوابة بيننا وبين ليبيا.

ــــــــ وهي بوابة إيطاليا أيضاً يا زميل، ثم استطرد:

أنا من هذه المدينة، وعائلتي يخشاها الجميع في كلا البلدين، ولولا الخدمة العسكرية كنت قد سافرت إلى إيطاليا منذ زمنٍ بعيد دون أن أدفع درهماً ولا دينار أنا وكل من هم بصحبتي، فما رأيك أن تكون أنت الصاحب والرفيق في السفر!؟

نظر إليه علاء بدهشة واهتمام دون أن ينبس ببنت شفة.

همس الشاب في أُذن علاء قائلاً:

فكر في الأمر يا زميل فما زال أمامنا أيام وشهور.

مر اليوم وجنى الليل وما زال علاء يفكر في كلمات الشاب الذي لا يعرف اسمه حتى الآن، في الصباح سمع علاء اسمه يتردد في أرض طابور اللياقة هو وبعض الأسماء الأخرى، امتلئ قلب علاء بالخوف والفزع، خرج من أرض الطابور واتجه إلى حيث أرادهم الضابط، اشتدت دهشته عندما وجد الشاب الذي كان يحدثه بالأمس من ضمن الحاضرون، همس في نفسه بخوف شديد قائلاً:

ترى هل ما تحدثنا فيه بالأمس ممنوع الحديث فيه هنا!؟

خرج من شروده على صوت الضابط قائلاً:

علاء ومهاجر.

علا صوتهما قائلين:

أفندم.

ـــــــ أنتما الإثنان خدمة سيارة اليوم. بهت علاء ولم يعقب، ثم نظر إلى مهاجر بعد برهة فإذا به هو نفس الشاب من السلوم، ضحك مهاجر قائلاً:

كأنك قدري يا علاء.

ابتسم علاء قائلاً:

نعم هو كذلك يا مهاجر ولكن؟ ما هي خدمة السيارة هذه!؟

ــــــ لا تعجل يا زميل الآن سوف نعرف ما هي.

توجها الإثنان نحو السيارة فكانت المفاجأة التي ملئت وجه علاء بالألم والحسرة، إنها سيارة مملوءة بالمواد الغذائية، همس في نفسه قائلاً:

أمن أجل هذا صنع جيشنا العظيم!؟

هل أصبحنا نتسلح بالأرز والسكر واللحوم بدلاً من الآلي والرشاش!؟

لماذا تدخل الجيش فيما ليس له!؟ لماذا لا يتفرغ الجيش لمّ صنع من أجله!؟ لماذا لا ندع صنع الفيلات والقصور لمتخصصون الهندسة المعمارية!؟ لماذا لا ندع صنع الطرق والكباري لمن هم أهل لذلك!؟ لماذا لا يتفرغ الجيش لصنع الطائرات الحربية وتطوير برنامجنا النووي!؟ لماذا لا نصنع دبابات وبوارج حربية!؟ آه.. هل أصبح سلاح المشاة الذي دفن دبابات العدو الصهيوني في رمال سيناء بائع لحوم وجبن وسكر!؟

نظر إليه الضابط وكأنه سمع ما همس به في صدره ثم قال:

لن يدوم هذا طويلاً بإذن الله، نحن محاربون وحماة الوطن وإن غداً لناظره قريب.. بعد أن مر اليوم وعاد علاء إلى كتيبته قبيل المعرب بقليل، غير ملابسه وجلس في ركنٍ بعيد عن أعين كل الناظرين، عاد بالماضي وتذكر أخر لقاء جمع بينه وبين حبيبة قلبه علياء. تذكر لحظة أن وضع على جبينها قبلة حب وشوق.. تذكر لحظة أن عبر كلاهما عن حبه وشوقه الكثير، تذكر حين همس لحبيبته قائلاً:

إني أحبكِ. نعم أحبكِ شمساً وقمر، أحبكِ هواءً وماء، أحبكِ حياة، ولتعلمي أن بدون علياء ليس لعلاء حياة، أحبكِ طفلة أرى العالم من خلال عينيها البريئة، أحبكِ دُنيا لم تدنسها الكراهية والأحقاد، أحبكِ ولن أحب أبداً سواكِ، أحبكِ وأعدك بأننا لن نفترق أبداً بعد اليوم، أحبكِ وأقسم بأن التاريخ سوف يخلد قصة حبنا كما خلد من كانوا قبلنا، أحبكِ وسوف يظل قلبي دوماً نابض بحبكِ.. ارتسمت على ثغره ابتسامة حين تذكر كلمات علياء، وهي تهمس له بنبض قلبها وشوق عينها قائلة:

أنت وحدك حبيبي ورفيق دربي.. أقسم لك يا حب العمر، بأنني لن أكون يوماً لرجلاٍ سواك، ولكن دوماً لحظات السعادة تحتضر منذ أن تولد في عيون المحبين.. فقد سالت دمعة ساخنة على خد علاء حينما تذكر كلماته التي قتلت الفرحة في عيني علياء حين قال:

لقد قررت الرحيل، نعم سوف أرحل من أجلك أنتِ، سوف أرحل من أجل عينيكِ الجميلة، سوف أرحل من أجل الحصول على المالِ الذي يعينني على خطبتك، وتلبية كل ما يطلبون مني مهراً لكِ. فيا حبيبتي سوف أرحل والتمس منكِ السماح إن طال الرحيل.. سوف أرحل ولكنني كل يوم سأرسل لكِ شوقي وحنيني، كل ليلة سألتقي بعينيكِ الجميلة في ضوء القمر..

ذاد ألمه حينما تذكر لحظة أن قام من مجلسه، واستعد للرحيل من منزل خلود وهو ناظر إلى علياء بعينيه المليئة بالدموع، ناظر إليها دون أن ينبس ببنت شفه.. تذكر حينما نظرت إليه قائلة:

أنا دائماً في انتظارك.. نعم أنا في انتظارك ما دمت حية، أنا في انتظارك يا من علمني حبك كيف أحب واشتاق.. فيا حبيبي وعشقي ووجدي وسهدي، أنا من اليوم في انتظار رسائلك وسر حياتي.. فلتكتب لي في اليوم ألف رسالة! لا. بل اكتب لي ألاف الرسائل والكلمات..

اكتب لي بنبض قلبك ودماء كل الأوردة والشرايين، اكتب لي بشوق العيون ودقات الفؤاد، فسوف اقرأها بشوق عيوني وهمس شفتاي، بل سوف أقرئها بكل دقة في قلبي وكل قطرة دم تسري في جسدي.. أمسكت علياء لحظة عن الكلام تجفف دموع العيون، همس علاء إليها قائلاً:

لا تدمعي حبيبتي واذكريني كل يوم.. اذكريني كل لحظة. اذكريني في كل خطوة تخطو بها قدماكِ.. فأنتِ حبيبتي التي عشقت الروح هواها، اذكريني عندما تغرب الشمس ويأتي المغيب.. اذكري أنكِ وحدكِ حبيبتي وأنا دوماً لكِ الحبيب، دعيني أرحل يا من أنتِ القدر والنصيب، فإن طال الرحيل أو قصر لن يكون لي غيركِ حبيب.. اذكريني دوماً فقلبي حبيبتي إليكِ قريب.. بعد همسات علاء المفعمة بالحب والشوق..

همست علياء بدموع قلبها قائلة:

رحل عني حبيب القلب والروح علاء. رحل واشهدي على وفائي يا كل نجمات السماء.. فقد ازداد له حبي وشوقي واذكِره دوماً بالوفاء، خرج علاء من حلمه وهو يمسح الدموع التي أغرقت خديه هامساً:

آه إنه شيء من الماضي.. ثم قام من مجلسه واتجه نحو عنبر المبيت وما زالت كلمات مهاجر لها صدى يدب في أُذنهِ كدبيب النمل.

************

يوم من كل عام

 

استيقظت علياء من نومها مبكراً، توضأت وصلت الصبح الذي أضاعه منها الشيطان، بعد أن انتهت من الصلاة، جلست في محرابها تناجي ربها قائلة:

اللهم اهدني واغفر لي تقصيري، ربي ورب كل شيء ومليكه، اغفر لي ولوالدي يوم يقوم الحساب، ربي إن رأيتني أعرض وأبتعد ردني إليك وقربني منك، مرت دقائق وعلياء ما زالت تحدث ربها وتدعوه، في تلك الدقائق قد دخل ورد إلى المطبخ وأعدت لعلياء كوب اللبن الساخن، وضعت أمها الكوب أمامها قائلة:

تفضلي يا بنت قلبي وروح الفؤاد.

نظرت علياء إلى أمها ثم قالت:

ورد. في أي يوم نكون هذا الصباح!؟

قالت ورد بدهشة:

شفاكِ الله يا بُنيتي.. أمن الآن نسيتِ عدد الأيام والسنين؟

ــــ لا. لم أنسى يا أمي.. بل أعرف جيداً عدد الأيام والحساب، أعرف أن اليوم هو الإثنين الموافق الثالث والعشرون من شهر أبريل، ألم يذكركِ هذا اليوم بشيء!؟

قالت ورد بلا مبالاة:

أهو عيد الربيع! أم تحرير سيناء!؟

- لا هذا ولا ذاك يا أمي.

إذن لمّ السؤال إن كنتِ تعرفين في أي يوم نكون؟ ثم ضحكت ملء فيها، فقد عرفت لمّ تسأل ابنتها، ولكنها استطردت وكأنها ما زالت تجهل سؤال علياء:

أليس هذا اليوم هو موعد محاضرة محاسبة البنوك التي تكرهينها بشدة؟

قالت علياء بمكر:

بلى. هو كذلك يا ورد الجوري، ضحكت ورد ضحكات مكتومة دون ان تنبس ببنت شفة.

قامت علياء وهي ممسكة بكوبِ الحليب، دخلت غرفتها، وضعت الكوب من يدها فوق تسريحتها الأنيقة ثم بدلت ملابسها، جلست على حافة السرير ممسكةٍ هاتفها الخلوي ذو التفاحة، اتصلت على هاتف سناء، مرت لحظات ولم تجيب سناء، نظرت علياء إلى الهاتف الذي يضج رنين دون إجابة ثم قالت:

ما بك يا سناء؟ لمّ لا تجيبي صديقة عمري!؟ انتهى الرنين ولم تجيب الصديقة.

أمسكت علياء الهاتف بعصبية ثم أجرت اتصال آخر، هذه المرة لم تسمع للهاتف رنين، بل سمعت صوت تثاءب سناء وقبل أن تزجرها، قالت سناء بكسل شديد:

صباح الخير حبيبتي.

- لا. لست حبيبتك.. لو كنت حبيبتك حقاً كنتِ استيقظتِ باكراً قبل أن أتصل بكِ.

ما بكِ يا علياء!؟

- ليس بي شيء يا سناء. أكملي نومك.

انتبهت سناء لعصبية علياء الظاهرة بصوتها الناعم، اعتدلت على فراشها ثم قالت:

حبيبتي. أهجر علاء أحلامك أيتها الشقية!؟

ثم استطردت:

أين سنذهب هذا الصباح!؟

ــــ أنسيتِ أنتِ أيضاً يا سناء!؟

كيف أنسى وقد أتممنا اليوم عامنا التاسع عشر بالتمام والكمال.

ابتسمت علياء ثم قالت:

إذن هيا بنا أيتها الكسولة المراوغة، أمامنا اليوم عمل كثير.

أغلقتا هواتفهما ثم خرجت علياء أمام أعين ورد، وهي ترمقها بنظرة ماكرة دون أن تنبس ببنت شفة، ابتسمت الأم ثم أردفت بصوتٍ خافت:

تظنين أنني نسيت يوم ميلادك أيتها الفتاة المشاغبة، وقد جلست اليوم في البيت، ولم أذهب إلى العمل، لأصنع لكِ احتفالاً مميز.. هبطت علياء درجات السلم الرخامية وهي لا تصدق أن ورد قد نسيت يوم ميلادها التاسع عشر، اتجهت إلى موقف السيارات وهي شاردة العقل زائغة العينين، دهشت سناء من الوجوم الظاهر على وجه صديقتها، أردفت بلهفة وخوف شديد قائلة:

ما بك يا علياء؟ لمّ كل هذا الشرود والحيرة بعينيكِ؟

- أتصدقين أن أمي لم تتذكر أن اليوم هو عيد ميلادي التاسع عشر يا سناء!

لا. لا أصدق أن ماما ورد لا تذكر يوم مولدك أبداً يا علياء.

- بل صدقي يا صديقتي العزيزة، لقد سألتها هذا الصباح كما أفعل معها في كل عام، وكانت تحتضنني وتغدقني بالكثير من القبل قائلة:

حبيبتي وبنت روحي وقلبي، لقد أتممتِ اليوم عامكِ كذا، ولكنها هذا العام قد نسيت ولم تفعل ما تفعله معي في هذا اليوم من كل عام، ومن أجل هذا سوف أمارس معها ألعاب الأطفال التي كنت قد تخليت عنها منذ وقت كثير، سوف أذكرها بعلياء الطفلة التي كانت تغضب إن نسي أحداً من أفراد العائلة يوم ميلادها ولم يحضر لها الكثير من الهدايا، وأثناء حديثهما وقفت أمامهما سيارة وبها ثلاثة مقاعد شاغرة، استقلتا السيارة ثم أردفت علياء إلى السائق قائلة:

هيا بنا وسوف أدفع لك أجرة هذا المقعد الشاغر، انطلق السائق بسيارتهِ يسابق الرياح، وبعد برهة من الوقت، ظهرت أمامه فجأة فتاة من العدم، ارتبك السائق ولا يدري ماذا يفعل، على يمينه ترعة زراعية مملوءة بالماء، وعلى يساره سيارة من سيارات النقل الثقيل، ارتعشت يد السائق على عجلة القيادة مما أدى لتلاعب السيارة على الطريق، امتلأت السيارة بالصراخ والعويل، احتضنت علياء صديقتها سناء بخوفٍ شديد، خبأت رأسها بصدرها وهي تردد الشهادتين بصوتٍ مرتعش، ترى النهاية قاب قوسين أو أدنى.. ترى الأجل قد بات قريب، إما غرقاً بين شاطئي الترعة، وإما بين عجلات السيارة الضخمة العملاقة التي هي أشبه بالقطار.. أتخذ سائق السيارة العملاقة أقصى اليمين، وهو يضغط على مكابح السيارة ليفسح الطريق أمام سيارة الأجرة المملوءة بالركاب، انحرف سائق الأجرة إلى اليسار قليلاً بعد أن توقفت السيارة الكبيرة على بُعد أمتار، وأخيراً مر من جانب الفتاة التي ظهرت له من العدم دون أن يصيبها بأذى، توقف السائق على جانب الطريق يلتقط أنفاسه اللاهثة، هبط سائق سيارة النقل حاملاً بيدهِ زجاجة عصير، توجه بها نحو السائق الأخر، حينما نظر إليه وجد وجهه مصفراً، مد له يده بالعصير قائلاً:

كنت أشاهد المشهد من بعيد، الحمد لله على سلامتكم جميعاً، لقد ولدتم اليوم من جديد.. بعد لحظات انطلق السائق بسيارتهِ من جديد وهو يردد قائلاً:

في التأني السلامة، لا تسرع فالموتِ أسرع.

************

أميرة. يا أميرة. هكذا استيقظت أميرة على صوت أمها، أردفت أميرة قائلة:

- ما بك يا أمي

هل ستذهبين إلى المدرسة اليوم؟

- لمّ هذا السؤال اليوم يا أمي!؟

إنه مجرد سؤال يا بُنيتي.

نظرت أميرة إلى أمها ثم قالت بمكرٍ شديد:

- نعم سوف أذهب إلى المدرسة اليوم يا أمي، وربما أتأخر اليوم لبعد العصر بقليل.

أردفت الأم قائلة:

إذن سوف أصنع أنا الطعام لعلاء وحدي. ضحكت أميرة بصوتٍ عال كالأطفال ثم أحاطت رقبة أمها بيدها اليمنى قائلة:

كنت أعلم أن وراء سؤالك هذا الكثير يا ريحانة القلوب.

ابتسمت ريحانة قائلة:

آه منكِ أيتها العفريتة الصغير، دائماً تقرئين ما بقلبي قبل أن أبوح به لأحد.

قالت أميرة مبتسمة:

ألم يقولون أن البنت سر أمها يا ريحانة قلوبنا وعطر حياتنا.

- نعم يا أميرتي. لقد قالوا وصدقوا فيمّ قالوا ولكن؟

لكن ماذا يا ريحانة القلب.

- متى ستنتهي من المدرسة اليوم!؟

لا تقلقي يا حبيبتي. سوف أنتهي سريعاً بإذن الله، ليس لديّ اليوم سوى حصة واحدة مهمة، أما الباقي لا حاجة لي به، سوف أتي إليكِ في تمام الساعة العاشرة إن شاء الله

- إذن سوف أجهز كل شيء حتى تحضرين.

أعلم يا ريحانة أنكِ سوف تحضرين للغالي كل ما لذ وطاب، أعرف أنكِ سوف تذبحين له كل البط والأوز الذي تربيه منذ أن دخل الجيش وكأنه ذاهب إلى الصومال.

ــــ كفى كلام وهيا اذهبي ولا تتأخري.

حاضر يا أم الغالي سوف أذهب ولن أتأخر، فمن غيري سيحرق طعام الغالي كالعادة.

ــــ ألن تتعلمي يا أميرة كيف تسوين الطعام دون حرقة!؟

لا. لن أتعلم يا أمي، فأنا أعشق الطعام حينما أحرقه، وعلى زوجي المستقبلي أن يتقبلني كما أنا، فأنا لن أتغير من أجل أحد.. قبل أن تتكلم ريحانة أسرعت أميرة بالخروج قائلة:

أعلم ما سوف تقولين يا ريحانة قلوبنا ولكن؟ إن قلته سوف أجعلك تصنعين طعام الغالي وحدكِ، وسوف أجلس في المدرسة وأحضر جميع حصص التقوية، ما رأيك يا ريحانة. ضحكت ريحانة قائلة:

كأنني لم أنجب غيرك أيتها العفريتة الصغيرة.

************

انتهى اليوم الدراسي، خرجت علياء من المدرج وهي تتأبط ذراع سناء، تمشي بجوارها في وهن شديد، خرجتا من بوابة الكلية واتجهتا إلى محلات الألعاب والهدايا، وفجأة ضحكت علياء بهستيريا كطفلة صغيرة، سألتها سناء بدهشة وعجب:

لماذا تضحكين كالأطفال أيتها الفتاة المتقلبة المزاج!؟

ــــ تذكرت لحظة الصباح يا صديقتي العزيزة، كان بيننا وبين الموت لحظات، أما الآن فأنا أفكر بمكر شديد، في حيلة تجعل قلب ورد يقفز من بين أضلعها، حتى لا تنسى يوم مولدي في العام القادم.. ثم استطردت:

أيصعب عليهم تذكر يوم من كل عام؟ أتعجز ذاكرتهم عن أدراك يوم الثالث والعشرين من شهر أبريل!؟

ضحكت سناء بصوتٍ عالِ قائلة:

وما الجديد فيمّ تفعلين أيتها الفتاة المجنونة!؟

ثم قالت بهمسٍ:

أتذكرين يوم أن جعلتني أفقد وعي، يوم أن ارتديتِ قناع الشيطان وأظافره الطويلة!؟ يوم أن اختبأت خلف باب الفصل، كنا ما زلنا أطفال في الصف الخامس الإبتدائي، وبعد أن استعدت وعي من جديد، وجدت أستاذة عفاف تعنفكِ بشدةٍ، صرخت فيها قائلة:

ما لكِ بأختي، أتركيها وشأنها، يومها ضحكت الأستاذة وهي تضرب كفاً بكفٍ، ثم نظرت لي بدهشة وقالت:

أبعد أن كادت تقتلكِ ما زلتِ تدافعين عنها أيتها الطفلة!؟

ابتسمت علياء ثم قالت بصوت أشبه بصوت الأطفال:

نعم أدافع عنها، هي أختي ولتفعل بي ما تشاء.

ثم استطردت:

أما زلتِ تذكرين تلك الأيام يا سناء!؟

ــــ هل نستطيع نسيان أيام البراءة والطُهر يا علياء!؟

ــــ هل نستطيع نسيان ما حُفر في ذاكرة القلب!؟

احتضنتها علياء وكأنها تحتضن قطعة منها، همست سناء في أُذن علياء قائلة:

أتدرين!؟ إني مشفقة على علاء وما ستفعلينه به ذات يوم.

أردفت علياء بصوتٍ حانِ قائلة:

إن أحبني كما أحبه سوف يتقبلني كما أنا. سوف يعشق تصرفات الأطفال كما أعشقها.

سوف يعيش حياته في كل تفاصيل حياتي.

سأكون أنا بيته وعالمه كله كما هو بيتي وكل عالمي، إن أحبني حقاً يا سناء سأكون طفلته البكر التي تملأ البيت بهجة وسعادة.

أخرجت سناء تنهيدة تحمل كل معاني الحب، وهي مغمضة العينين دون أن تنبس ببنت شفة.

************

مرت السويعات، وعادت أميرة إلى البيت تهرول لتصنع لعلاء مع أمها ما لذ وطاب، حينما دلفت أميرة من الباب، وجدت أمها قابعة في الصالة الصغيرة، تصنع لفائف الكُرنب وورق العنب، ابتسمت أميرة قائلة:

لمّ التدخل في التخصصات يا ريحانة القلوب!؟ ألم تعلمي بعد أن لف المحشي هذا تحصصي أنا!؟ ابتسمت ريحانة دون أن تعقب على كلمات أميرة، ثم أردفت بعد برهة قائلة:

لمّ كل هذا التأخير أيتها العفريتة الصغيرة!؟ أكل هذا الوقت في حصة الأحياء!؟

نظرت أميرة إلى ريحانة، ثم قالت بابتسامة ماكرة:

وما أدراكِ أن حصة الأحياء كانت اليوم يا ريحانة القلب والروح؟

- ألا تعلمي أنني أحفظ جدول حصصك أكثر منكِ يا أميرة القلوب!

ضحكت أميرة ضحكات عالية ثم قالت:

نعم لقد نسيت يا ريحانة أنكِ يوماً ما، سوف تصبحين أم الأطباء.

- دعكِ من هذا الحديث إذن وهيا بدلي ملابسكِ فأمامنا عمل كثير.

أردفت أميرة إلى أمها قائلة:

حاضر يا أم الغالي، قالتها أميرة ثم دخلت غرفتها لتبدل ملابسها دون أن تزيد كلمة.

************

عادت علياء إلى البيت محملة بالألعاب والأقنعة التي هي أحب إليها من أي شيء آخر، صعدت درجات السلم وهي تهمهم بصوتٍ لا يكاد أن يُسمع:

سوف تذكرين هذا اليوم ما حييتِ يا ورد حياتنا، لن تنسي يوم مولدي مرة أخرى، عندما وصلت علياء باب الشقة في الدور الثاني العلوي كانت المفاجأة، لقد وجدت حذاء أمها أمام الباب، ابتسمت علياء دون صوت ثم همست بداخلها قائلة:

لقد جئتِ من العمل مبكراً يا أمي، كنت سأدخر ما سأفعله بكِ لحين عودتكِ من العمل ولكن قد جنت على نفسها براقش كما يقولون.. وضعت علياء ما بيدها على الجانب الأيسر من الباب، أخرجت مفتاحها من حقيبة يدها دون صوت، أدخلت المفتاح في ثقب الباب في هدوءٍ شديد، ثم أخرجت بعض الأشياء من الأكياس التي وضعتها منذ قليل، ارتدت زي شبح الهالوين الأسود، مطبوع عليه الهيكل العظمي، ثم ارتدت قناع ذو أنياب تقطر منها الدماء وبيدها سكين لامع، فتحت الباب بهدوءٍ شديدٍ وهي تهمس قائلة:

سوف تذكرين هذا اليوم يا ورد الحياة ما حييتِ وحينها لن تنسي يوم مولدي أبداً.

انتزعها صوت صرخة مدوية وشيء لطخ قناعها المخيف، ألقت علياء من يدها السكن وهي تجري نحو أمها لتمسك بها قبل أن تسقط وترتطم رأسها بالأريكة الرخامية، نزعت علياء القناع وألقت به بعيداً وهي تحتضن أمها بعينين دامعتين خوفاً وفزعاً من أن يصيب أمها سوء، بعد برهة نظرت ورد إلى علياء وجدت وجهها مصفراً والدموع تحفر طريقها على خديها نحو الأرض، ضحكت الأم بهستيريا وهي تقلب عينيها في كل أرجاء البهو الفسيح ثم قالت:

آه يا علياء. أتظنين أنني نسيت عيد مولدك يا بنت قلبي وروحي! ثم استطرت قائلة:

ضاع تعبك طوال النهار يا ورد.

أتدرين يا علياء! كنت أسمع صوت أقدامك وأنتِ تصعدين درجات السلم بهدوء، وقفت أمام الباب حاملة التورتة لأفاجئك بها حينما تدلفين من الباب، قضيت النهار أصنع لكِ هذه التورتة المتناثرة.. قالتها وهي تشير بإصبعها إلى بقايا التورتة التي ملأت أرجاء المكان.

ابتسمت علياء قائلة:

لن أنسى أنا هذا اليوم أبداً يا أمي، وربما لن أمارس تلك الألعاب يوماً بعد الآن.

************

في المساء نادت خلود على زوجها قائلة:

فادي. فادي

ــــ ما بكِ يا أم بسمة!؟

هيا لقد تأخرنا وأنت تعلم جنان إبنة عمك حينما نتأخر عليها في تقديم الهدايا.

ــــ في العام الماضي أخضرتِ لها دب كبير، فماذا أحضرتِ لها هذا العام يا زوجتي!؟

نظرت خلود إلى زوجها بابتسامة ثم قالت:

في العام الماضي كانت علياء إبنة الثانوية العامة، أما هذا العام مختلف، لقد أصبحت علياء من فتيات الجامعات، ولابد أن تكون الهدية مختلفة يا حُب عمري.

ــــ ماذا تقصدين بأن الهدية مختلفة هذا العام يا كل الحب والحنان!؟

ضحكت خلود قائلة:

لقد أحضرت لها علبة تبرج وعطر الياسمين.

ــــ ماذا؟ أحضرتِ لها ماذا يا أم بسمة!؟

ثم استطرد:

ألم تعرفي أن التبرج والتعطر حُرم على النساء خارج البيت!؟

ــــ نعم يا قلب القلب أعرف

إذن لماذا أحضرتِ هذا لعلياء؟ هل تساعدينها على المعاصي يا زوجتي؟

ـــ لن أجادلك في الحلال والحرام يا زوجي، فأنا لستُ أهل لهذا، ولكن قل لي، ألم أتبرج لك وأتعطر يا حبيبي!؟

نعم تفعلي يا خلود ولكن؟

ــــ لكن ماذا يا قلب القلب ووتيني؟

لمن سوف تضعه علياء؟

- كل شيء وله حدود يا أبا بسمة، ويوماً ما ستتزوج وتضعه لزوجها.

لا يا خلود. فلتعلمي أن الحرام يبقى حرام ولو غُلف بعلافٍ من حسن النوايا.

- لن أجادلُك يا نبض قلبي. ثم استطردت:

هيا بنا نذهب لنريح أنفسنا من لسان علياء وثورتها.. تفضل يا زوجي هذه هي هديتك لها، أما هذه فلي أنا.

حمل فادي بسمة، وأمسك الهدية بيده اليسرى ثم خرج من البيت وخلود تتأبط ذراعه.

أثناء سيرهما في شوارع القرية سعياً إلى منزل علياء، همست خلود إلى فادي قائلة:

لماذا لم تسألني عما أعطيتك لتقدمه لإبنة عمك يا زوجي الحبيب؟

- أثق في إختيارك يا زوجتي وحب حياتي.

 دون أن تراه!؟

- ولمّ لا وقد اخترتني أنا من بين الرجال.

هل لي بسؤالٍ آخر يا زوجي؟

- فلتسألي ما شئتِ يا حبيبتي.

لماذا تجعلني دوماً أتأبط ذراعك الأيسر دون الآخر!؟

أشار إلى ضلعه قائلاً:

لأنكِ من هنا خلقتِ وفي قلبِ تلك المضغةٍ تسكنين، قالها وهو يشير إلى قلبه! ثم همس لها بحبٍ قائلاً:

كيف لي أن أُبعدكِ عن موطنكِ ومسكنكِ!؟

ابتسمت خلود بدلال دون أن تنبس ببنت شفة، بعد أن وصلا المنزل، دق فادي جرس الباب وانتظر قليلاً، فتحت لهما زوجة عمه واستقبلتهما بالترحيب والسعادة، ثم أخذت خلود من يدها قائلة:

تعالي لأحكِ لكِ ما صنعت بي علياء اليوم.

ابتسمت خلود ابتسامة ماكرة ثم قائلة:

ماذا صنعت بكِ تلك المجنونة!؟

ثم استطردت وهي تنظر إلى علياء قائلة:

ألم تنضجي بعد يا معشوقة القلوب وسحر العيون؟

- دعكِ من هذا الحديث وأخبريني أين الهدية!؟

مدت خلود يدها قائلة:

ها هي هديتكِ أيتها المجنونة، أخذتها علياء من يدها مسرعةٍ، فتحت الهدية لترى ماذا أحضرت لها خلود هذا العام، وفجأة أنتزع الجميع صرخة علياء وهي تلقي ما بيدها بعيداً عنها، إنه قرد مخيف مثبت بقعر صندوق الهدية قفز بوجهها، ضحكت ورد ملء فيها كالأطفال كما ضحك الجميع، وبعد أن استعادت أنفاسها اللاهثة من كثرة الضحك، نظرة إلى خلود قائلة:

وكأن الله أرسلكِ لي يا خلود لتأخذي لي حقي من تلك الطفلة الكبيرة.

استعادت خلود هدوءها ثم قالت وهي تخرج هديتها من حقيبة يدها:

الآن فلتأخذي هديتكِ يا حبيبة قلبي ومعشوقتي الجميلة.

نظرت إليها علياء مبتسمة وما زال وجهها محمراً ثم قالت:

فلتفتحيها أنتِ أمامي هذه المرة، أنا لم أعد أأمن مكرُكِ بعد الآن، فما أفعله أنا في الناسِ ليل نهار، جئتِ أنت يا خلود تفعلينه بي في المساءِ.

************

الفصل الثامن

بعد مرور عام

عادت سلمى من الكلية مرهقة الجسد واهنة العينين، حينما دلفت من باب المنزل، وجدت أمها قابعة في البهو الفسيح ومن أمامها كوب النسكافيه قابع على الأريكة الخشبية، ابتسمت سلمى ابتسامة واسعة ثم قالت:

نسكافيه يا هدير؟ أين أنت يا ضاحي لترى زوجتك وهي كأبناء المدن المدللين.

ضحكت هدير قائلة:

هل نسيتِ يا فتاة أنني من أجمل مدن مصر!؟ هل نسيت أنني من مواليد محافظة المنصورة التي تحتوي بين أحضانها أجمل فتيات تراهن أعين، ثم تنهدت وكأنها فتاة في السابعة عشر من عمرها.

استطردت سلمى قائلة:

كيف تعرفتي بأبي وبينكما كل هذه المسافات البعيدة!؟

- النصيب يا ابنتي.

حقاً يا أمي كيف تعارفتما؟

- كنت وحيدة والديّ، وكان جدك يعمل في تجارة الأدوات المنزلية، كان يحلم أن يبني مصنع كبير لصناعة الثلاجات والغسالات وجميع الأجهزة الكهربائية، كان يحلم أن يكون عنده مصنع يتحدى به المصانع الأوربية، لملم كل ما يملك وأحضرنا إلى القاهرة، تعرف على رجلٍ أراد أن يصبح شريك له، ولكن كما قالوا قديماً، تأتي الرياح بمّ لا تشتهيه السفن.

أردفت سلمى بدهشة قائلة:

ماذا حدث في القاهرة يا أمي!؟

- آه يا سلمى! لقد حركتِ في قلبي الأوجاع والآلم يا بنيتي.

آسفة يا أمي، ولكن هذه أول مرة تحكِ لي فيها عن حياتك الماضية.

- منذ أن تركنا المنصورة وحضرنا إلى القاهرة يا سلمى، لم نضحك يوماً ملء قلوبنا كما كنا، القاهرة يا ابنتي وحش جائع ابتلعنا بين أحشائه.. ماذا حدث لكم يا أمي؟

- الرجل الذي تعرف عليه جدك كان من أكبر تجار المخدرات والنصابين المحترفين، تجهم وجه سلمى وتجمدت كأنها تمثال من صخر، وبعد برهة من صمت قالت:

ماذا فعل جدي عندما علم حقيقة هذا الشيطان اللعين!؟

- كان الأوان قد فات يا حبيبتي، وكما تعلمين في بلدنا هذا، من يحمل المال يا ابنتي تأتيه السلطة تحت قدميه.

لا أفهم قصدك يا أمي! من فضلك وضحي لي أكثر.

- سجن جدك ولم يقف معه أحداً غير زيدان الزاهد.

همست سلمى بدهشة:

جدي زيدان الزاهد!

- نعم يا حبيبتي.. هو من وقف مع أبي ولكن رغم كل المحاولات تم سجن أبي ومات بعد عدت أيام، لم يحتمل الظلم والقهر، وبعد الوفاة بأيام قليلة، خطبني زيدان لولده ضاحي، وبعد شهر من الخطبة ماتت جدتك حزناً وقهراً، وبعدها تزوجت أبيكِ وجئنا إلى موطنه ومن يومها لم أذهب إلى القاهرة أبداً.. لا أريد الذهاب إلى بلدة أخذت مني كل من أحببتهم.

مدت سلمى يدها ومسحت الدموع التي أغرقت خدي أمها ثم قالت:

سامحيني يا أمي. لم أقصد أن أذكركِ بكل هذا الألم.

ابتسمت هدير قائلة:

لقد أرتاح صدري يا سلمى حينما أخرجت منه هذا الحِمل الثقيل ولكن؟ أخبريني لمّ كل هذا الشرود!؟

تنهدت سلمى ثم قالت:

لقد مر عام يا أمي ولا نعلم شيء عن...

ابتسمت أماني وهي تحتضنها قائلة:

عمن يا بنت قلبي وروحي.

- عن علاء يا أمي، ترى كيف حاله، ماذا حدث له؟

وسعت ابتسامة هدير ثم سألتها بمكرٍ قائلة:

هل تحبينه يا سلمى!؟

احمر وجه سلمى خجلاً، ولم تستطيع الإجابة على سؤالِ أمها.. صمت مطبق وهمس داخلي، إن قالت لا أحبه ستكون كاذبة، وإن قالت نعم أحبه سيكون اعتراف بمّ لم تحيياه وتشعر به يوماً.

ضمتها أمها في صدرها أكثر وهي تهمس في أذنها قائلة:

للغائب ألف عذر يا بُنيتي.. اصبري ودعي الله يفعل ما يشاء.. لعل الخير يكمن في شرٍ نراه.

************

خرج علاء من البيت مبكراً، ذهب إلى مصلحة الجوازات لاستخراج جواز السفر بعد أن انتهى من الخدمة العسكرية.. حينما وصل إلى هناك، امتلأ وجهه بالدهشة من الزحام الشديد، وقف في الصف وهو يهمس في نفسه قائلاً:

هل قرر جميع الشباب السفر وهجر البلد!؟ ألم يعد لنا بين حدودها مكان!؟ انتزعه صوت الشاب الواقف خلفه قائلاً:

إلى أين السفر بإذن الله؟

ظل علاء صامت برهة من الزمن، لا يدري بماذا يجيب، فقد قرر استخراج الجواز دون أن يدري إلى أين سيذهب به، وأخيراً أردف علاء قائلاً:

هل سيسألوننا بالداخل عن مكان السفر؟

- لا. لن يسألنا أحد الآن، ولكنهم سوف يسألون حينما نأتي لاستخراج تصريح السفر وتصريح العمل.

أستطرد علاء قائلاً:

لقد جئت استخرج الجواز دون أن أفكر إلى أين الرحيل.

ابتسم الشاب ابتسامة ماكرة ثم قال:

سوف أسافر إلى دولة الكويت، يقولون أن الدينار الكويتي هو أغلى العملات العربية الآن.

- أتدري يا صاحبي!؟ منذ عشرات السنوات كان الجنيه المصري هو الأغلى عالمياً، كانت مصر مقصدٍ لكل من أراد العمل وجني الأموال، حينها لم نكن في حاجة إلى الغربة عن الأهل والأحبة، لم نكن في حاجة للبحث عن تأشيرة وكفيل، ترى ماذا حدث لمصر وأهلها!؟

ربما الكثافة السكانية يا صديقي، ألا تعلم أننا الآن قد أصبحنا مائة مليون نَسمة.

- بل أعلم ولكن ليس هذا هو السبب فيما نحن فيه، ألا تتخطى الصين المليار نَسمة!؟ ورغم هذا فإنها تغزو العالم بجميع المنتجات.

ماذا تقصد!؟ إلى ماذا تُلمِحُ بكلماتك!؟ لماذا تبتسم؟

- لا شيء يا صديقي ولكنني تذكرت جُملة من فيلم قديم.

ماذا كانت تلك الجُملة إذن!؟

- كانت تقول (العيب فينا وليس فيها، نحن لا ندري كيف تكون الإدارة)

ابتسم الشاب قائلاً:

ليس هذا وفقط يا صديقي ولكن ربما لكثرة اللصوص بجانب سوء الإدارة.

مر الوقت وقدم علاء أوراقه، وأخيراً بعد ثلاث أيام سوف يتسلم جواز السفر.

عاد علاء إلى البيت وهو يفكر في كلمات صاحبه، بدأ يسأل نفسه في همس:

ترى ماذا حدث لمصر في هذه السنون؟ لماذا أصبحنا غرباء فيها؟ لماذا أصبح اقتصادنا هش كالزجاج؟ لماذا يتم تهريب ثرواتنا خارج البلاد؟ لماذا تترك الحكومة تجار الآثار والمخدرات تسعى في الأرض فساد؟ لماذا لا تحاربهم؟ أم أننا أصبحنا كما يقال في الأمثال!؟ لماذا لا تصرف الحكومة مكافآت كبيرة لمن يجد آثار في بيته أو أرضه لتقضي على هؤلاء اللصوص الذين يسرقوننا بل وقد أصبحوا هم السادة ونحن العبيد.

حينما دلف علاء من باب المنزل، وجد ريحانة في انتظاره، ابتسم علاء ثم قال:

أين الجميع يا ريحانة القلوب؟

أردفت الأم بابتسامة:

والدك ذهب إلى الحقل أما البقية فهم.. قبل أن تتم ريحانة كلماتها خرجت أميرة ومن خلفها فارس وسُهيل من الغرفة المجاورة للصالة الصغيرة، جلست أميرة بجوار علاء ثم قالت:

ماذا فعلت أيها العائد المسافر دوماً؟

- لا شيء يا أميرة. قدمت الأوراق وسوف أتسلم الجواز يوم الخميس القادم بإذن الله.

إلى أين الرحيل هذه المرة يا الغالي؟

- إلى حيث تقودني أقدامي يا أميرة.

ولكنك سوف ترحل هذه المرة حاملاً بيدك جواز السفر، هل قررت الهجرة من هذا البلد يا علاء!؟ هل قررت أن تحيا غريباً؟

نظر علاء إلى أميرة التي بدأت عينيها تمتلئ بالدموع، وضع يده على كتفها ثم قال بألم:

أهون على المرء أن يحيا غريباً خارج أرضه وهو يجمع المال بدلاً من الموت جوعاً بين الأهل والأحباب، ألم تقولي ذات يوم يا أميرة أن الغربة كتبت على أبناء الفقراء!؟ ثم استطرد:

سوف أبحث عن فرصة سفر خارج البلاد، سوف اجني المال الذي يجعلنا نحيا بلا خوف من فاتورة الكهرباء التي تعدت المائة جنيهاً شهرياً، سوف اجني المال الذي يجعلنا لا نلقي بالاً بأسطوانة الغاز التي تعدت الثمانون جنيهاً وفاتورة المياه التي وصلت إلى المائة وخمسون جنيها شهرياً، نعم يا أميرة سوف أهاجر من بلدة لا مكان فيها لمن هم أمثالنا، سوف أهاجر من بلدة إن زوج الفقير فيها إبنته استدان وعاش مكسور الظهر ليسد دينه.

أتدرين يا أميرة!؟ أتمنى ألا أبرح هذه الأرض التي تحمل بين طياتها ذكريات الطفولة وحب العمر، ولكن ربما يكمن الخير في شرٍ نراه.

مسحت أميرة العبرات التي طفرت بعينيها ثم قالت:

ليتني ما سألت يا أخي الحبيب.. لقد جعلتني أعرف كم نحن نحملك ما لا طاقة لك به.

ابتسم علاء قائلاً:

فرحتي يا أميرة يوم أن أراكم وقد حققتم أحلامكم.

- وحلمك أنت يا علاء من سيحققه لك!؟

سوف يحققه لي الله يا أميرة، وهذا هو يقيني وظني بالله الكريم.

رَفعت ريحانة يديها إلى الله، همست بما يجول في صدرها ثم ابتسمت وهي تنظر إلى أميرة قائلة:

ألن تحضري الطعام للغالي أيتها المشاغبة الصغيرة!؟

قامت أميرة واتجهت إلى المطبخ دون أن تنبس ببنت شفة.

جلس سُهيل بجوار علاء ثم قال:

أتعلم يا علاء!؟

يوم أن أتخرج وأصبح طبيب سيكون الفضل لله ثم لك يا أخي الحبيب، لقد علمتني معنى قول الله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام.

قَال َسَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجعَلُ لَكُمَا سُلطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إلَيكُمَا بَأَيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكٌمَا الغَالِبُونَ[1]

أخذه علاء في صدره وهو يربت على ظهره دون أن ينبس ببنت شفة.

************

صدمة التأشيرة

 

مرت الأيام وتسلم علاء جواز سفره، قبل أن يعود إلى البيت ذهب إلى بعض شركات السياحة، يسأل عن تأشيرة لبعض الدول العربية، دخل أول شركة في طريق عودته، وجد فتاة حسناء تقبع خلف شاشة الكمبيوتر سألها قائلاً:

السلام عليكم

- وعليكم السلام. تحت أمر حضرتك يا أفندم.

أريد أن أسأل عن قيمة التأشيرة إلى دولة عربية.

- أي دولة تريد الذهاب إليها!؟

أليس الثمن واحد!!؟

ابتسمت الفتاة قائلة:

هل قيمة العملة واحد يا أفندم؟ هل الرواتب في البلدان العربية واحد؟ ثم استطردت:

كل تأشيرة ولها قيمتها التي حددتها وزارة العمل الخاصة بتلك البلد.

أردف علاء بابتسامة واهنة:

إذن كم تبلغ قيمة تأشيرة الكويت!؟

همست الفتاة بدهشة:

الكويت! لمّ الكويت حضرتك!؟

- لا أدري. ربما لأنني سمعت أن عملتها هي الأغلى.

فعلاً يا أفندم هي الأغلى ولهذا تبلغ قيمة تأشيرتها تسعون ألف جنيهاً

ابتسم علاء ولم يعقب ثم خرج دون أن ينبس ببنت شفة.. أثناء سيره تذكر كلمات مهاجر حينما قال له (ومن قال أنني في حاجة إلى تأشيرة) قرر أن يتصل به حينما يعود إلى البيت، فقد كتب له عنوانه ورقم هاتفه في دفتر الذكريات.

حينما دلف من باب المنزل سألته أمه قائلة:

هل تسلمت جوازك يا علاء!؟

- نعم يا أمي. ها هو الجواز.

أتعلم يا علاء، لأول مرة أشعر بانقباض في صدري، أشعر بالخوف من أن تأخذ الغربة منك أجمل أيام الحياة. أشعر بالخوف من أن تنسيك الغربة أهلك وأحبابك.

احتضنها علاء وقد حفرت الدموع طريقها على خديه واتخذت طريها نحو الأرض، همس في أذنها قائلاً:

كيف أنساكم وأنتم في قلب القلب قابعون.. كيف أنساكم سر حياتي، فلتعلمي يا أمي أن الحديث عن السفر ما زال مبكراً. ثم استطرد:

من أين لي ثمن التأشيرة يا ريحانة قلوبنا، سوف أسافر إلى حيث كنت وربما أعون لعملي السابق كحارس أمن.

مسحت ريحانة دموع علاء ثم قالت:

فليحفظك الله يا ولدي ويعطيك على قدر نيتك الطيبة.

دخل علاء غرفته، أخرج دفتر الذكريات وبحث عن عنوان مهاجر، أخذ رقم الهاتف ثم خرج يحدثه بعيداً عن ريحانة كي لا تسمع الحديث بينهما.

قبل أن يخرج من باب البيت سألته ريحانة قائلة:

إلى أين يا ولدي؟ إنني اجهز لك الطعام.

أردف علاء بحنان:

سوف أذهب إلى والدي في الحقل وحينما نعود سنأكل سوياً بإذن الله.

خرج واتخذ طريقه إلى الحقل، وقبل أن يصل إلى والده جلس بجوار إحدى السواقي، أخرج الهاتف وطلب رقم مهاجر ودقات قلبه تتسارع.

ألو. السلام عليكم يا مهاجر.. أنا علاء. علاء عبد الفضيل. أما زلت تذكرني!؟

ضحك مهاجر قائلاً:

وعليكم السلام يا صديقي.. كيف لا أذكرك وأنا في انتظار اتصالك.

- قل لي يا مهاجر.. هل نحن في حاجة لاستخراج تصريح عمل وتصريح سفر أم لا.

لسنا في حاجة لهذا ولا ذاك يا صديقي.. كل ما أحتاجه منك هو جواز السفر وفقط.

- متى تحتاجه يا صديقي!؟

إن كنت قد قررت الهجرة فأنا أحتاجه اليوم قبل الغد يا علاء.

- إذن سوف أحضر إليك غذاً بإذن الله.

في انتظارك يا صديقي.. فلتصحبك السلامة.

انتهت المكالمة وذهب علاء إلى والده، وجده وقد أدار ماكينة المياه يسقي الأرض ومكث غير بعيد، أشعل الخشب وجلس يصنع أجمل كوباً من الشاي، جلس علاء بجوارهِ قائلاً:

كم أشتهي هذا الشاي الذي تصنعه على تلك النيران يا عبد الفضيل.

ضحك والده قائلاً:

فلتأتي كل يوم يا ولدي وسوف أصنع لك الشاي حتى ترضى.

ابتسم علاء ثم قال:

سوف ارحل غداً يا أبي.

- إلى أين الرحيل هذه المرة يا علاء!؟

لا أدري يا أبي؟ ربما أعود إلى عملي السابق، وربما ابحث عن تأشيرة سفر خارج البلاد.

- كنت أتمنى أن أبيع تلك القراريط يا ولدي وأزوجك، كنت أتمنى ألا تبتعد عنا مرة أخرى، فقد بلغت من الكبر عتياً وأصبحت في حاجة لمن أشدُد به أزري، ولكنك تعلم أن تلك القراريط تعيننا على مصاعب الحياة.

- لن أسمح لك ببيعها يا أبي فإنها تحمل بين ثناياها قطرات عرقك وعرق أباءك وأجدادك، سوف نزيد تلك القراريط يا أبي بإذن الله.. ولن نفرط فيها أبداً.

ربت عبد الفضيل على كتف علاء قائلاً:

أعلم يا علاء أنكم لن تفرطون فيها، وأعلم أنكم سوف تزيدونها ولكن.. من منكم سيهتم بها؟ من منكم يعشق الأرض كما كنا نعشقها؟ ثم استطرد:

لن ألومكم أبداً على بيعها يا ولدي ولكن؟ فلتحفظ فيها حقوق أخواتك البنات، إياكم أن تكونوا ممن لا يورثون شقائقهن.

نظر علاء إلى أبيه ثم أمسك يده وقبلها قائلاً:

كيف نكون من آكلين الحقوق ولم تدخل جوفنا لقمة حرام!؟

ضحك عبد الفضيل وهو يمد يده بكوبِ الشاي لعلاء قائلاً:

اشرب الشاي يا ولدي ولتكن في حفظ الله دوماً.. مر الوقت وجنى الليل، جهز علاء حقيبة سفره دون أن يفصح لوالديه وأشقائه عن وجهته، في الصباح سلم علاء على أفراد الأسرة، ثم خرج من البيت بعيونٍ دامعة وانقباضات في قلب ريحانة، استقل القطار واتجه في طريقه إلى السلوم موطن صاحبه مهاجر.

************

بدأت علياء تشعر بالضيق والقلق بعد رحيل علاء بأيام، وذات يوم بعد آذان العصر خرجت من منزلها واتجهت نحو منزل خلود، دقت الجرس دقات متتاليات، أردفت خلود قائلة:

انتظري أيتها المزعجة، لقد حفظت دقاتك على الجرس.. فتحت خلود الباب وهي رافعة أكمام عباءتها إلى نصف رسخها، أردفت علياء بابتسامة واسعة:

ترى ماذا تفعلين يا حضرة الشيف الهمام؟

- ادخلي وانظري بنفسك يا صاحبة الألسن البليغة.

دخلت علياء مسرعة لتستكشف ماذا تصنع خلود، وجدتها تصنع لفائف المحشي بأوراق العنب واللحم المفروم، ضحكت علياء قائلة:

ماذا بينكِ وبين المحشي؟ هل أخذتم بعضكما عن حب، أم هو القدر والنصيب!؟

ابتسمت خلود وهي تضرب علياء على كتفيها قائلة:

دعكِ من هذا الحديث واجلسي لتكملي معي لف هذه الأوراق وسوف أقص عليكِ حكاية المحشي معي أنا وعــ...، لم تكمل خلود ولكنها استطردت قائلة:

لي مع هذا المحشي حكايات قديمة، إنه عشقي وطعامي المفضل، ولهذا جعلت فادي يدمن أكله مثلي تماماً وأعتقد أن بسمة تعشقه كما نعشقه نحن.

ابتسمت علياء ابتسامة واهنة ثم قالت:

لماذا غيرتي الحديث فجأة يا خلود!؟ هل خشيتِ أن أسأل عن حاله؟ أم خشيت أن يلامس حديثك قلبي!؟

ابتسمت خلود ثم قالت بمزاح:

اخرسي وهيا أريني كيف تصنعين لفائف المحشي، رفعت علياء أكمام عباءتها وأمسكت إحدى الورقات وبدأت تضع فيها الأرز باللحم المفروم ثم قالت بصوتٍ ناعم:

أتدرين يا خلود! لقد جئت اليوم إليكِ أعترف لكِ بحبي لعلاء، نعم إني أحبه. لا بل أعشقه كعشق الزرع للماء، أحن إليه كحنين العصفور لنور الصباح.. أشعر أنني ما خلقت إلا من ضلعه، أشعر بأن حبه يسري في أوردتي وشراييني.

أردفت خلود بصوتٍ حانِ:

أعرف يا علياء أنكِ تحبينه، وأعرف أيضاً أن علاء يحبكِ بكل ذرة في جسده، ولكن؟

- ولكن ماذا يا خلود؟

أنتِ تعلمين الفروق المادية بيننا وبينكم يا صديقتي العزيزة.

- الحب لا يعترف بمثل هذه الفروق يا خلود.

نعم أعرف، ولكنه في منطق المحبين فقط وليس في منطق الأهل يا علياء، ولكن فلتصبرا لعل الله يجمع بينكما في خير.

************

رحلة العذاب

 

بعد سفر دام ساعات طوال، وصل علاء إلى موطن مهاجر قبيل العشاء بلحظات، أخرج هاتفه وطلب رقم صاحبه، حينما فتح مهاجر الخط أردف علاء قائلاً:

السلام عليكم يا مهاجر.. أنا الآن في محطة الحافلات، كيف أصل إليك يا صاحبي؟

أردف مهاجر مسرعاً:

ظل كما أنت يا أخي، سوف أحضر إليك بالسيارة وأصحبك إلى المنزل.

 أنهى مهاجر المكالمة ثم توجه بسيارته إلى حيث مكان صاحبه، وبعد برهة من الوقت وصل مهاجر المحطة، ركن سيارته ونزل يبحث عن صاحبه، كان علاء جالس على المقعد الخشبي على رصيف المحطة شارد الفكر، يراقب الراحلين بحقائب سفرهم، ينظر إلى تجاعيد الزمن الذي اكتست بها وجوههم، وفجأة انتزعه صوت مهاجر مازحاً:

اثبت مكانك أيها الجندي علاء.

نظر علاء مندهشاً، وجد مهاجر يضحك ملء فيه، ابتسم علاء ثم قال:

لقد أعدتنا لأيامٍ أريد أن أمحوها من ذاكرتي إلى الأبد يا مهاجر.

- لمّ يا علاء؟ لهذا الحد تبغض بيع اللحوم والأرز والجبن؟

لا يا مهاجر. بل أبغض الوضع الذي تدنى له جيشنا العظيم، أريد أن نصبح رواد العالم يا مهاجر، أريد أن نستعيد مكانتنا التي كنا عليها في عهد النبي صل الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، أريد أن يقال علينا من أعداءنا لا طاقة لنا برجالٍ يطلبون الموت أكثر من طلب الحياة.

ابتسم مهاجر قائلاً:

فلنغلق الحديث ها هنا يا صاحبي، وهي بنا نعود إلى البيت.

حينما عاد مهاجر وصاحبه إلى البيت، وجد أمه قد أعدت لهما الطعام، جلسا سوياً حول المائدة، عرف مهاجر علاء على أسرته الصغيرة، وبعد أن تناولا طعامها أخذ مهاجر صاحبه ودلفا إلى غرفته الخاصة، جلس علاء على حافة السرير الصغير، وقبل أن يبدل ملابسه أردف إلى مهاجر قائلاً:

متى يمكننا السفر يا صاحبي!؟

ضحك مهاجر ثم قال:

ليس بهذه السرعة أيها المتسرع العجول.

- لمّ لا نتعجل الرحيل يا مهاجر؟ ما الذي يمنعنا من السفر سريعاً؟

كل شيء وله ترتيبات خاصة يا أخي، الآن أعطني الجواز، أما السفر سوف يكون بعد ثلاثون يوماً من الآن بإذن الله.

- يا الله.. ثلاثون يوماً يا مهاجر؟ وماذا أصنع أنا هنا كل هذه الأيام؟ إذن خذ الجواز.. أما أنا سوف أرحل غداً إن شاء الله.

ما هذا الكلام الذي تقوله يا علاء، أنت ضيفي، وأحملك على رأسي بدل اليوم ألف عام.

- أعرف يا مهاجر أنكم أهل الكرم، ولكنك تعلم ظروفي أيضاً، أرجوك دعني أرحل ربما أكسب بعض المال الذي يعيننا على رحلتنا الطويلة.

رغم أن المال موجود ومتوفر الحمد لله، ولكن لن أُرغمك على شيء لا تريده يا أخي العزيز، والآن هيا نخلد إلى النوم وغذاً يفعل الله ما يشاء.

************

استيقظ علاء من النوم مبكراً، بدل ملابسه بهدوء، ثم أيقظ مهاجر برفق، اعتدل مهاجر في فراشه قائلاً:

لمّ العجلة يا صديقي؟ ألهذا الحد تريد الفراق عنّ!؟

أردف علاء بصوتٍ هادئ قائلاً:

لا يا مهاجر، الله وحده يعلم كم أكره الفراق، ولكن هذا قدري وقد رضيت به، ثم استطرد:

أنا هكذا أحيا غريب يا مهاجر، ودوماً أمامي سفر طويل وكما أخبرتك، أنا راضي بقدر الله.. ابتسم مهاجر قائلاً:

اللهم أجعلنا من الراضين بقدره، ولكن أخبرني يا علاء؟ إلى أين الرحيل!؟

- سوف أذهب.. مرت لحظات صمت وكأنه عاد بالماضي البعيد ثم أردف بهمسٍ شديد:

سوف أذهب إلى أسوان يا مهاجر، سأمكث هناك حتى تخبرني عن ميعاد سفرنا.

لماذا أسوان؟ لمّ لا تعود إلى قريتكم وتقضي مع أهلك هذه الأيام القليلة، ربما تطول غيبتنا عنهم ويشتاقون إلينا فنكون قد أعطيناهم ذكريات جميلة قبل الرحيل.

- أخبرتك يا مهاجر أنني في حاجة إلى المال في هذه الرحلة التي أجربها لأول مرة، هذه أول مرة سأغادر أرض مصر إلى بلادٍ لا أعرف ثقافتهم ولا معيشتهم.

لا تشغل بالك بالمال يا علاء، بإذن الله سوف يكون معنا ما يكفينا ويزيد، والآن هيا بنا نتناول إفطارنا وأصحبك إلى محطة الحافلات.. مر الوقت سريعاً ودع علاء صاحبه وأهله، وأخير استقل الحافلة العائدة إلى مرسى مطروح ليبدأ رحلة عذاب جديدة.. بعد أن وصل إلى مطروح، بحث عن رحلة تغادر إلى أسوان، جلس على الكرسي واهن الجسد سابح في الذكريات، وفجأة تذكر كلمات الشيخ ضاحي، حينما قال له منذ عام أو يزيد، فلتأتي لزيارتنا يوماً يا ولدي، وتذكر أننا أهلك ودوماً في انتظارك.. تذكر يوم أن قطع على نفسه وعداً بأنه سوف يحضر إليهم ذات يوم، همس بداخله قائلاً:

أنا عند وعدي ولابد أن أكون وفياً به، سوف أذهب إليه أودعه وأقضي معهم هذه الأيام، وربما يكون في حاجة لمن يعمل معه كالأيام السالفة.. الرحلة طويلة كطول ليل الشتاء الكاحل، وأخيراً استسلم علاء للنوم، حتى يريح قلبه وعقله من ألآم الفراق، ويريح بدنه من عناء السفر.. مر الوقت عليه بقسوتهِ ولم ينقطع لحظة عن التفكير في كلمات حبيبته علياء في أخر لقاء جمع بينهما.. سبح في الذكريات وابتسامات علياء، تذكرها حينما قالت:

ارحل حبيبي ولكن؟ اكتب لي كل يومٍ ألف خطاب.. مر الوقت ووصل علاء إلى أسوان مرة أخرى، وها هو قد وصل إلى الشيخ ضاحي وأسرته الصغيرة الحنونة.. استقبلوه بفرحة عارمة وسعادة غامرة.. مر أول يوم وسط احتفال بعودة علاء إليهم، تسلم عمله الماضي بجوار الشيخ ضاحي، وبعد أن مرت عدة أيام، انشغل علاء بالعمل، نسي هاتفه الذي لم يتعود عليه، نسيه في حقيبة سفره بعد أخر مكالمة بينه وبين مهاجر، وذات يوم جلس بجوار الشيخ ضاحي يقص عليه ما وراه عنه في المرة السابقة، بدأ الحديث قائلاً:

أتدري يا عمي! نحن خمسة أشقاء، بنتان.. خلود وأميرة، وثلاثة ذكور.. أنا وسُهيل وفارس، تزوجت شقيقتي الكبرى وما زال لي ثلاث أشقاء يدرسون، منهم من التحق بكلية الطب، وما زالت أميرة وفارس في الثانوية العامة، ونحن لا نملك إلا بضع قراريط، ومن أجل هذا قررت الهجرة إلى إيطاليا.. أردف الشيخ ضاحي بحوفٍ قائلاً:

هجرة غير شرعية يا علاء!؟ ألا تدري مخاطرها يا ولدي؟ ألا تسمع عن الزوارق التي تغرق كل يوم وهي في طريقها إلى هناك؟ ثم استطرد بهمسٍ:

اسمع يا علاء كنا لا نملك شيء في الماضي ولم يكن لجدي أشقاء وكذلك أبي وأنا مثلهم، ولكن قد رزقنا الله بكل ما ترى، ولم يهبني الله الذكور وكأن العائلة تنتهي عندي، ولكن يا ولدي ربما يكمن الخير في شرٍ نراه.. دع الله يا ولدي يسير ملكه كما يشاء.. ابتسم علاء ابتسامة واهنة ثم أكمل حكايته وقصة حبه، والآن قد عَلم الشيخ ضاحي كل ما يحتويه قلب المسكين.. ولكنه يأمل أن ينسى علاء كل شيء قد مضى.. يتمنى أن يكون ولداً له وزوجاً لابنته وقرة عينيه سلمى.. أسرها الشيخ ضاحي في نفسه ولم يبدها، جعل هذا الأمل حبيسُ بين دقات قلبه وأنفاس الهواء، ولكنه لا يعلم ولا يدري أن علاء لا يشغله شيء عن حبه وحلم الفؤاد علياء سوىَ العمل وكسب الأموال.. أما سلمىَ فكل يومٍ تزداد حباً وإعجاباً بعلاء، تحبه وهي لا تعلم شيء مما سمعه والدها.. لا تعلم إن كان يشعر بنار الحب والوجد بداخلها، لا تدري كيف تجعله يعشقها ويشتاق إليها كما هي تعشقه وتشتاق إليه. بعد صراع داخلي، قررت أن تصارحه بحقيقة مشاعرها ونبض قلبها إليه.

************

الفصل التاسع

الحب المميت

 

ذات يوم جلس علاء صافي القلب. سارح العقل في مكان منعزل كما تعود في الأيام السالفة.. جلس غارق في بحور خياله، يقتطف كلماته الرقيقة كما يقطف الزهر من البستان، ينتقي معسول الكلمات ويرسمها بريشة فنان لحبيبة قلبه علياء، وحين ذاك جاءت سلمى إليه، جلست بجواره دون أن يشعر بها أو يحس بوجودها..

بدأت تداعبه بكلمات رقيقة، خرج علاء من وحدته برعشة تسري في بدنه، بحث عن صاحبة هذا الصوت العذب الرقيق، ثم همس قائلاً:

سلمىَ منذ متى تجلسين جواري!؟ ماذا تريدين!؟

ابتسم سلمىَ قائلة؟

جئت من وقت طويل ولكنك لم تشعر بقدومي نحوك فماذا تفعل؟

ما هو الشيء الذي يشغلك إلى هذا الحد؟

ولكنه كرر عليها السؤال مرة أخرى.. ابتسمت إليه قائلة:

أراك تتهرب من إجابتي ولكنني قد جئت أتحدث معك في أمر هام وخاص وأريد أن نتشارك فيه وتعلمه عني!

ولكن أجبني أنت أولاً يا علاء، أنا عندي سؤال أريد أن اسمع إجابتك عليه!؟

همس علاء إليها قائلاً:

أي سؤال يا قطتي الصغيرة فلتسألي كما تشائين.. وهنا احمرت سلمى خجلاً وتتنهد ثم همست قائلة:

قطتي الصغيرة!

هذه كلمة أبي، ثم قالت بخجل:

ألم تحب يوماً يا علاء!

وكانت المفاجأة عندما بدأ علاء الحديث قائلاً:

أحببت يا سلمى، نعم أحببت منذ أن عرفت الدنيا ودبت أقدامي الأرض.. أحببت يا سلمى

منذ أن عرفت معنى الحياة! نعم أحببت وكأن الحب عرف طريقة إلى قلبي وأنا في المهد صبيا.

سألته بهمس العاشقين قائلة:

ما اسمها يا علاء!؟ وقبل أن ينبس علاء ببنت شفة، أغمضت سلمى عينيها الزرقاوين، بدأت تحلم وترفرف في سماء الحب بلا أجنحة، تتمنى أن تكون حروفها الثلاثة، هي ما تهمس بهم شفتي علاء لتكتمل سعادتها ونشوتها، تتمنى أن تكون هي من تسكن قلبه النابض بين أضلعه. تحلم ولا تدري أن علاء قد وهب قلبه ووتينه لفتاة ربما لن تراها يوماً.

ما زالت سلمى مغمضة العينين، في انتظار أن تسمع صدى نغمات اسمها تخرج من فيه علاء، مرت لحظات كأنها أعوام وقرون، وأخيراً أطلق علاء العنان، أردف قائلاً:

علياءُ هي نبض القلب وضياء العيونِ

هي عشقي وبدون هواها أبداً لن أكون.

علياءُ هي من أحببتها بكل دقيقة ولحظة من أيامي.

************

بعد أن صلت أميرة المغرب، جلست غير بعيدٍ عن أمها ثم صاحت قائلة:

دكتور سُهيل. دكتور سُهيل.

- ما بكِ يا أميرة!؟ هل مسكِ جنون المساء!؟

لم أُجن حتى الآن أيها الطبيب، ولكن قل لي؟

كم مر على غياب علاء!؟

- لا أدري يا أميرتنا، ربما خمسة عشر يوماً أو يزيد.

يا لك من جاحد أيها الطبيب، أتجهل كم مر على غياب الغالي؟ قالتها وهي ترمق أمها بعينٍ ماكرة، ابتسمت الأم ثم قالت:

دعك من تلك المشاغبة يا سُهيل وأكمل مذاكرتك، أما تلك العفريتة فدعها لي.

ضحكت أميرة ملء فيها، فقد وصلت إلى ما كانت تريده، فقد جعلت ريحانة ترسم على محياها الإبتسامة التي رحلت برحيل علاء، أغلقت أميرة كتابها ودفترها ثم جلست بجوار ريحانة، وضعت يدها حول عنقها وضمتها إلى صدرها برفق قائلة:

أخبريني يا ريحانة قلوبنا، لمّ العبوس منذ سفر علاء؟ أهذه أول مرة يبتعد الغالي عنكِ؟

تنهدة ريحانة وكأنها تزفر كل ما يألم المضغة القابعة في شق صدرها الأيسر ثم قالت:

لا أدري يا أميرة منذ أن رحل علاء وأنا أشعر بوخز في قلبي، أشعر بأنني أستنشق الهواء من ثقب إبرة، أشعر بأحد ضلوعي وكأنه اجتث مني. ربتت أميرة على رأس أمها ثم قبلتها وقد دمعت عينيها، وضاع منها روح المرح، همست بصوتٍ أشبه بالبكاء قائلة:

أتدرين يا أمي!؟ لقد ملئتِ قلبي خوفاً على علاء، ثم صاحت أميرة وهي تبكِ بكاء شديد:

سُهيل. يا سٌهيل. فلتأتي وتنظر ماذا حدث لأمي، ألست طبيب وقد قررت أن تتخصص في علاج القلوب، فلتأتي وتصف لها دواء يشفي قلبها المتألم، احتضنت ريحانة أميرة بقوة وانهمرت ببكاء شديد، بدأت تبكِ وكأنها لم تبكِ من زي قبل. جاء سُهيل إليهما يسعى وقد تزايدت دقات قلبه، جثا أمامهما على ركبتيه، أحاطهما بذراعيه ولم يستطع كبح جماح دموعه، أطلقها لتحفر على خديه طريقها نحو الأرض، وبعد لحظات علمت ريحانة أنها جعلت روح الطفلة تغادر جسد أميرة، علمت أن روح المرح التي تسكن جسد ابنتها قد رحلت وربما لن تعود إليها يوماً.

************

جلست علياء بعد العصر في بلكونةِ منزلهم، تتسارع دقات قلبها، همست بداخلها قائلة:

آه يا علاء.. ألم أخبرك أن تكتب لي كل يوم ألف خطاب!

وبعد برهة أمسكت هاتفها ذو التفاحة، اتصلت على صديقتها سناء لعلها تأتي إليها بأخبارٍ عن حبيبها الذي انقطعت عنه الأخبار، حينما فتحت سناء المكالمة، تحدثت علياء بصوتٍ واهن قائلة:

 سناء لمّ لا تأتي وتجلسي معي بعض من الوقت؟

- الآن يا علياء!؟

نعم الآن يا سناء فأنا أشعر بضيقٍ في صدري وأنتِ الوحيدة التي أتحدث مها بلا خجل.

أردفت سناء قائلة:

ما بكِ أيتها المجنونة؟ ماذا حدث؟

- لا شيء يا سناء، هل ستأتي أم لا؟

نعم سوف أخبر أمي وأتي إليكِ يا حبيبتي الغالية، أغلقت سناء الهاتف وجلست في صمت، علمت أن علياء تريد أن تسألها عن أخبار علاء، ولكن؟ ماذا تقول لها فحالها كحال علياء وجميع الأهل، لا أحد يعرف عنه شيء منذ رحيله، وأخيراً أخبرت سناء أمها وذهبت إلى علياء مسرعة، حينما دلف سناء من باب منزل علياء وجدت ورد قابعة تشاهد التلفاز، سألتها بلهفة قائلة:

ماما. أين علياء!؟

أشارت ورد إلى البلكونةِ قائلة:

إنها تجلس هناك وحدها، فلتدخلي إليها يا حبيبتي ربما تحدثكِ بما يختلج به صدرها.

دلفت سناء إلى البلكونة كالسهم، وجدت علياء عابثة الوجه، سارحة في عالم غير الذي نحيا بداخله، اقتربت منها ثم همست في أُذنها بهدوء قائلة:

أراكِ سابحة في دنيا المحبين.

ابتسمت علياء قائلة:

أخبريني يا سناء! ألم تحبي يوماً!؟

جلست سناء على الكرسي المجاور لعلياء ثم قالت:

الحب في حضرت الفقر جريمة يا علياء، في عُرف الفقراء دوماً، الحب يأتي بعد الزواج يا حبيبتي.

- وهل أنتم تعدون من الفقراء يا قلب القلب!؟

إن كنت أنا قلب القلب أيتها الكاذبة.. فماذا يكون علاء!؟ ثم استطردت:

كلنا فقراء إلى الله يا علياء.

ابتسمت علياء ثم قالت بصوتٍ خافت:

ما أخباره يا سناء؟ كيف حاله؟

- أقسم لكِ يا حبيبتي أنني لا أعرف عنه شيء، وكذلك أبيه وأمه وأشقائه، جميعنا نجهل أين هو ولكن؟ لعله خير بإذن الله.

مر الوقت ولم تشفى آلام علياء بحديث صديقتها، عادت سناء إلى منزلها وهي مشفقة على قلب علياء، فهي تعلم كم تحبه وتتعذب لغيابه.

************

الصدمة القاتلة

 

ما زالت سلمى تجلس بجوار علاء مغمضة العينين، تمني النفس وتتهيأ لسماع حروف اسمها تخرج من فيه، كأنها لم تسمع ما قال منذ قليل، استمر علاء لحظات يتغزل في حبه وعشق قلبه علياء، وفجأة نظر إلى سلمى، وجد وجهها قد امتلأ عبوس وعينيها تملؤها الدموع، وقبل أن يسألها، نظرت إليه في ألم وتوسل دون أن تنبس ببنت شفة، حاولت أن ترسم على شفتيها ابتسامة تخبأ خلفها الجرح الغائر في قلب قلبها، تتمنى أن تستطيع أن تخرج حبه من داخلها، تتمنى أن تعود كما كانت بقلب فارغ لا يسكنه أحد، انسحبت في هدوء نسمة صيف، أسرعت إلى المنزل والدموع تنهمر على خديها كأن أبواب السماء قد فُتحت بماءٍ منهمر، أما هو فلا يدري لماذا انهارت سلمى بالبكاء! لا يدري لماذا انسحبت مسرعة إلى المنزل، وبعد برهة من الدهشة، علم أنه قتلها بكلماته كما قتله خالد في الإسكندرية بكلماته من قبل، علم أنه طعنها بخنجرٍ دون رحمة، طعنها وهو لا يدري أنها قد جاءت إليه بقلبٍ ملؤه الحب والشوق إليه، لا يدري أنها جاءت تكشف له عن مكنونات قلبها العاشق ومشاعرها الفياضة وحبها الدفين بين دقات قلبها، ظل علاء جالساً يعاتب نفسه على تلك القسوة التي مزقت قلب سلمى، مرت الأيام وانشغل علاء بالعمل، انشغل عن هاتفه الذي ما زال حبيس في حقيبة سفر، نسي مهاجر والهجرة إلى إيطاليا، وذات يوم جاءهم تاجر كبير يأخذ بعض الثلاجات والغسالات من المصنع الذي بناه زيدان الزاهد، بناه ليحقق حلم صديقه، والد هدير زوجة ابنه الوحيد، نظر علاء إلى لوحة السيارات وجدها تحمل أجرة السلوم، تذكر صاحبه مهاجر وحلم الهجرة إلى إيطاليا، تذكر هاتفه الذي ما زال سجين بين جنبات حقيبته، تذكر أنه في بيت ضاحي منذ شهر أو يزيد، استأذن وأسرع في اتجاه البيت، حينما دلف إلى حجرته الخاصة، جذب الحقيبة يبحث عن الهاتف الذي لا يدري إن كان يعمل أو توقف عن العمل، أمسك الهاتف وجده فارغ تماماً من الشحن، أخرج الشاحن سريعاً، وبعد أن توم وصله بالتيار الكهربائي، أوصل هاتفه به وهو يتعجل اللحظات كي يفتح الهاتف ويعاود العمل من جديد، وبعد عدة دقائق، سمع نغمة تشغيل الهاتف، وبعد أن أصبح الهاتف يعمل، وجد عدد كبير من الرسائل، ظل يتصفحها حتى وقعت عينيه على أخر رسالة من صاحبه.

صديقي علاء! لقد حاولت الإتصال بك كثيراً ولكن هاتفك مغلق، لعله خيراً يا صديقي، فقد سلمت الجوازات لصاحب المركب الذي سوف يأخذنا إلى إيطاليا وأتمنى أن تحضر قبل الموعد بيومين لترتيب أنفسنا قبل السفر.

أجرى علاء اتصال على رقم مهاجر، ولكن الرسالة الصوتية تخبره بأن الهاتف مغلق أو غير متاح، هنا علم أن مهاجر قد هاجر وحده، امتلأ قلب علاء بالغضب، دمعت عينيه على ضياع فرصة الهجرة، ولكنه تذكر كلمات ضاحي حينما قال له ربما الخير يكمن في شرٍ نراه، أغلق الهاتف كما كان، وضعه في الحقيبة فلا حاجة له به بعد أن ضاعت فرصة الهجرة.

مرت الأيام سريعاً ومرض الشيخ ضاحي مرض شديد، شعر بأن الأجل قد حان، سلم علاء كل شيء يملكه، سلمه التجارة والمصانع والشركات، سلمه الأموال وأتمنه على أغلى ما يملك، انشغل علاء في حمله الثقيل الذي لم يخطر يوماً بباله، انقطعت أخباره عن أهله وحبيبة قلبه علياء.. فمنذ زمن طويل لم تصل إليها رسالة منه كي يطمأن قلبها العاشق على حبيب عمرها وابن قلبها، عام ونصف العام قد مر على رحيل علاء ولا أحد يدري ماذا حدث له وأين رحل.

اشتد عذابها وألمها بانقطاع أخباره عنها، مرت الأيام والشهور، اشتد مرض الشيخ ضاحي وثقل الحمل على كاهل علاء المسكين، انشغل أكثر من السابق.. لم يعد يفكر إلا في شفاء الرجل الكريم حتى يستطيع العودة إلى وبلدته وحبيبته وأهله، يحلم بالرجوع إليهم ولكنه لا يدري متى سيعود.

************

مرت الأيام وأصبح علاء متواجد بجانب الشيخ ضاحي بشكلٍ دائم، يعطيه الأدوية بمواعيد لا تتغير، وذات ليلة وجد علاء وجه ضاحي شاحب ويتصبب عرقاً، جلس بجانبه بعد أن أعطاه الدواء، بدأ يحدثه ويحكي له عن سير العمل، وفجأة أشار ضاحي لعلاء بيده أن يصمت، شهق ضاحي نفس عميق ثم قال بصوتٍ واهن:

فلتعلم يا ولدي أني أحبك كحبي لإبنتي سلمى، وقد أتمنتك عليها وعلى رفيقة دربي وحب عمري هدير.

حاول علاء أن يجعل ضاحي يكف عن الحديث، فقد بدأ في السعال وازداد عرق جبينه، ولكن ضاحي استطرد في الحديث دون توقف، وبعد برهة حاول علاء قطع الحديث، ولكن ضاحي فاجئ علاء قائلاً بوهن شديد:

لقد جعلتك أنت وريث لي ولكن هناك شرط كي ترث.. ظهرت الدهشة على وجه علاء ثم أردف بعد برهة:

- أطال الله بقائك بيننا يا عمي.

فلتصمت وتستمع يا ولدي فما هي إلا لحظات وتفيض الروح إلى ربها.

- لماذا أنا يا عمي!؟

سوف تعرف الآن لماذا أنت يا ولدي ولكن؟ أعطني كوب الماء أولاً فأنا أشعر بظمأ شديد.

أحضر علاء الماء مسرعاً، أخذه الشيخ ضاحي بيده المرتعشة، ثم رفعه إلى شفتيه الواهنة، تناول رشفة روى بها ظمأه، وقبل أن يأخذ علاء الكوب من يده، فاضت الروح إلى ربها الكريم.. صرخ علاء صرخات مدوية ودموعه تنهمر على خديه كأمطار الشتاء، دخلت سلمى ومن خلفها أمها تسعى، تعالت الصيحات والصرخات حزناً وألم على فراق الزوج والوالد الغالي.

في الصباح انشغل علاء في مراسم الجنازة، وبعد أن فرغ من دفن الرجل الذي أكرمه وأواه، جهز له صوان عزاء يليق بذكراه الطيبة، وقف في أول الصف وأخذ عزاء الرجل، حتى تعبت يداه من السلامِ، على كل من جاء يؤدي واجب العزاء.

انقضى اليوم وفات، مرت الأيام والشهور، ومرت سنون على رحيل علاء وغيابه عن بلدته وأهله وحبيبته التي ملأ قلبه الحنين والرجوع إليها.. وذات يوم جلس علاء مع سلمىَ وأمها أخبرهم عن أموالهم وتجارتهم ومصانعهم وشركاتهم.. فهو يريد أن يسلمهم كل شيء حتى يعود إلى بلدته الصغيرة، طلبا منه أن يتمهل ويمهلهما بضعة أيام حتى يأتي المحامي ويسلمه كل ما يريد، مرت الأيام سريعاً، وجاء الموعد وحضر المحامي إلى البيت.. وبعد أن سلم عليهم جميعاً، دخل إلى مكتب الشيخ ضاحي ومعه علاء، لحظات قليلة مرت وإذا بالمحامي يطلب سلمىَ وأمها، دخلا إليهما، بدأ المحامي يقرأ سطور الوصية، وهنا انفجرت المفاجأة التي لم يصدقها أحداً من الواقفون وأولهم علاء، ولكن الأم تبتسم وكأنها قد علمت بهذه الوصية من قبل.. أكمل المحامي الحديث الذي انقطع بموتِ الشيخ ضاحي، عرف علاء الشرط الذي مات الأخير قبل أن يخرجه من بين قضبان صدره، عرف علاء ان زواجه من سلمىَ هو الشرط حتى يرث! نظر المحامي إليهم جميعاً دون أن ينبس ببنت شفة، وبعد برهة أردف قائلاً:

 أنا في انتظار إجابتكم، إما بالرفض وإما بالقبول.

أردفت سلمى قائلة:

امهلنا فرصة نفكر فيها ونلملم الجروح والأوجاع.

انصرف المحامي قائلاً:

أمامكم أربعة أيام للتفكير واتخاذ القرار، وبعدها إما أن يرث علاء معكما، وإما أن ترثي النصف أنتِ ووالدتك يا سلمى، والنصف الأخر يكون من نصيب الجمعيات الخيرية ورعاية الأيتام.

انصرف المحامي وظل علاء قابعاً يفكر فيمّ سمع من فيه الرجل، لا يدري ماذا يفعل!

************

حيرة الاختيار

 

مرت الأيام وعلاء يعيش ويحيا بالعذاب المميت، لا يدري ماذا يفعل؟ هل يتزوج سلمىَ أم يرحل عنها؟ فهو يحلم بهذا المال والثروة، ولكنه يتمنىَ أيضاً الزواج من حبيبته التي عاشت تنبض بداخل قلبه.. حدث نفسه والدموع تنهمر من عينيه كأنها شلال. وفجأة! دخلت عليه سلمىَ وسألته قائلة:

لماذا البكاء يا علاء؟ الحل بين أيدينا أنا وأنت، ظهرت الدهشة على وجهه.. فهو لا يدري ما هو الحل التي تقصده سلمىَ. سألها بدهشة قائلاً:

أي حل تقصدين يا سلمىَ!؟

همست له قائلة:

نتزوج يا علاء.. قالتها وهي تشعر بغصة في حلقها. ثم استطردت بعد برهة:

نعم فلنصنع أنا وأنت عقد زواج حتى ترث وبعدها فلتفعل أنت ما تشاء.

أردف علاء قائلاً:

أنا لست قاسي إلى هذا الحد يا سلمى، كيف أعذب قلبك المسكين بعد أن طعنتك فيه ذات يوم، كيف أقبل أن أرث بعقد زواج مزور أو عقد رسمي، لا يا سلمى لن أقبل هذا أبداً، أنتِ تعلمين كم أحب علياء وأهواها، وتعلمين أيضاً أن والدك قد ترككما أمانة في عنقي، فلتأخذا النصف واتركاني أعود إلى قريتي وأهلي، وفجأة تذكر علاء كلمات الشيح ضاحي حينما قال له ربما يكمن الخير في شرٍ تراه.

أمسك علاء عن الكلام، حاولت سلمى إقناعه قائلة:

فلنتزوج إذن حتى نقتسم الثروة، وبعدها ارحل إلى من أحببتها وعشت تحلم وتتقاسم الحلم معها.

نظر علاء إليها وهو يعلم أنها تقدم له تضحية، لا تقوى عليها إلا امرأة في قوة وعزم الجبال، نظرت هي الأخرى إليه وابتسمت ابتسامة واهنة.. ثم بدأت تقص عليه قصة عجيبة، أخبرته أنها تحلم دوماً برؤية بلدته، تشتاق إليها رغم أنها لا تعرفها ولا تعلم شيء عنها، تحلم بها وبشوارعها الهادئة وكأن بها شيء يناديها.. استحلفته بالله أن يأخذها معه عندما يرحل حتى ترىَ البلدة وأهلها التي طالما حكى علاء عنهم، وبعد حوار دام طويلاً، وافق علاء على ما قالته سلمىَ، صنعا عقد النكاح، وبعد انقضاء المهلة، جاء المحامي إليهم، بعد أن دخل البيت وسلم عليهم سأل علاء قائلاً:

إلى ماذا توصلتم يا علاء!؟

قبل أن يجيب علاء أردفت سلمى قائلة:

لقد تزوجنا.

- تزوجتما! كيف ومتى تزوجتما!؟

تزوجنا قبل أمس وها هي وثيقة الزواج.

أخذ المحامي الورقة من يد سلمى، نظر فيها ثم ابتسم قائلاً:

إذن لقد أصبحت وريث يا علاء.

مرت الأيام وقد تقاسما كل شيء، وأخيراً أصبح علاء ثرياً كما كان يحلم طيلة حياته، أما سلمى فقد أصبحت تفكر ليل نهار في البلدة التي لم تعد تفارق حلمها، بدأت تسأل علاء عن البلدة وأهلها، تسأله وهي تنظر إليه وكأنهم يشبهونه كثيراً، وذات يوم أخبرها بأنه سوف يرحل قريباً، ولكن الأيام تأبى أن تدعه يرحل ويعود إلى حبيبته وأهله، فقد مرضت أم سلمىَ مرضاً شديد، تصارع الموت من أجل الحياة، ولكن قد سبق القول:

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ[2]

ماتت الأم حزناً على رحيل الزوج الحبيب، اليوم أصبحت سلمى وحيدة في الدنيا ليس لها أحداً سوى علاء، فماذا يفعل المسكين؟

ذات يوم جلست سلمىَ بجوار علاء أخبرته بأنها تريد أن تبيع كل ما تملكه في هذه الأرض التي أخذت منها كل عزيز، تريد أن تتخذ بلدته وطناً لها، وبعد عدت أيام أخبرها بأنه نفذ كل مطالبها وهنا همست له قائلة:

أذن فلنستعد للرحيل من الآن، ثم ابتسمت ابتسامة كلها شوق لرؤية البلدة التي باتت تحلم بها ليل نهار، أصبح علاء غنياً،

أصبح يمتلك كل شيء، يمتلك مال كثير وسيارة فاخرة سوداء اللون، ولكنه رغم كل هذا الثراء لا يدري شيء عن حبيبته الفاتنة علياء، لا يعلم شيء عن أبيه وأمه وأشقائه، فمنذ أن ذهب إلى مهاجر، انقطعت أخباره عنهم جميعاً، لا يدري إن كانت علياء ما زالت في انتظاره أم حدث شيء آخر، لا يدري أنه قد أصبح بين الأموات يوم أن مات صاحبه مهاجر غرقاً، لا يدري أن أسمه كان من بين الأسماء الذين أصبحوا طعاماً للقروش منذ ثلاثة أعوام، وأخيراً جاء اليوم الذي استعدا فيه علاء وسلمىَ للرحيل ليواجه كل منهما قدره المحتوم.

************

العودة الأخيرة

بعد رحلة عذاب دامت ثلاثة أعوام، لملم علاء كل ما أصبح يملكه بفضل ضاحي وابنته الرقيقة، واستعدت سلمىَ لرؤية البلدة التي طال إليها الانتظار، استعدت للقاء من تشعر بالحنين إليه وتراه بأحلامها وكأنها تعرفه من قبل الميلاد، رغم فرحة علاء وسعادته بأنه عائد إلى أمه وأبيه، ولن يبتعد عنهم بعد أن أصبح من الأغنياء، فهو يجهل أنه من الأموات منذ زمن بعيد، يجهل أن أسمه كان من بين الأسماء الذين أصبحوا طعاماً لأسماك القرش بعرض البحر، يجهل أن الشرطة البحرية قد وجدت جواز سفره يطفو فوق سطح الماء، مع ما يقرب من سبعمائة جواز وجثة أخرى وكان من بينهم صديقه مهاجر، يجهل أنه من الأموات في أعين كل أهل البلدة، ربما علياء وحدها هي التي لم تصدق أبداً ما رأته في صحف الدولة الرسمية، وربما لن تصدق أنه قد مات مهما طال الغياب، ترفض كل الدلائل على موته منذ ثلاثة أعوام، ترفضها على أمل أن تصل إليها رسالة من حبيب عمرها، ليطمئن قلبها وتكذب بها كل من صدق أنه مات ولكن؟ مرت الأيام والسنون دون أن يصل إليها ما تريد، وبعد أن تخرجت من كلية التجارة، أراد والدها أن يزوجها بعد أن استسلمت للوحدة والإنطواء، كانت ترفض كل من جاء لخطبتها، ولكن والدها لم يستسلم، وحينما جاءتهم عائلة عمران مرة أخرى يطلبونها زوجة لولدهم، وافق والدها ليقضي على كل الشائعات التي انتشرت حولها هي وعلاء، تعودت علياء على الوحدة والانطواء بعد أن سمعت الكثير عن موت حبيب قلبها علاء، فقد انتظرته كثيراً ولكنه لم يحضر إليها، ترقبته ولم تراه عينيها، عاشت كل هذه السنين تناجيه في إطلالات القمر بجماله وسحره، عاشت تراه في عيون الأطفال الصغار، ولكنها بعد الانتظار الطويل، أصبحت تحيا بلا قلب ينبض، أصبحت متبلدة الأحاسيس والمشاعر، لقد مات قلبها بموت حبيب عمرها، أصبحت تحلم بالموت في كل لحظة لتنعم برؤياه، كان والدها يتألم ويتمزق قلبه بين ضلوعه حزناً عليها، فقد أصبحت مجرد عظام، أحضر إليها عدد من الأطباء ولكنهم لا يدرون حقيقة ما أصابها.. لا يملكون أن يفعلوا لها شيء، نصحوا والدها أن يزوجها، فهذا هو العلاج الوحيد في نظرهم.. نعم هو في نظرهم العلاج الذي يستطيع أن يخرجها من هذه الحالة النفسية السيئة التي أصابتها مؤخراً، ولكن الحيرة قد ظهرت على وجه أبيها. لا يدري ماذا يفعل؟

جلس يفكر ويتشاور في الأمر مع أمها الحبيبة الغالية، وبعد تفكير عميق قرر والدها تحديد يوم الخطبة سريعاً دون انتظار، ولكن أحمد يرفض بإصرار بالغ، فهو يعلم بأجمل قصة حب عرفتها بلدتهم الصغيرة بين علاء وعلياء، لم يعد يشعر نحوها بأي عاطفة منذ زمن بعيد، أصبح يشعر بشيء غريب وحنين مجهول! أصبح يحلم بفتاة لم يراها يوم، ولكنه يحفظ كل تفاصيل وجهها، وبعد ضغط أبيه عليه أصبح لا يملك الاختيار، خضع أحمد أخيراً لرغبة أبيه، تمت الخطبة في يومٍ لن تنساه البلدة باسرها، فمن يستطيع نسيان لحظة أعجب من العجب!  من يستطيع أن ينسىَ عروس لم تشعر بوجود من حولها. عروس سارحة العينين تائهة العقل مثل شاربون الخمور.. تبحث بين الحاضرين عن سر حياتها ونبض قلبها، وكان الشاب الجالس بجوارها لا يشعر بها، كلاً منهم سارح العقل شارد الذهن، يبحث عن شيء مفقود، وبعد الخطبة بأيام قليلة تم تحديد موعد الزفاف.

وذات يوم جلس أحمد بجوار والده، ثم بدأ الحديث قائلاً:

أبي! لمّ العجلة في الزواج؟ لمّ لا نؤجل الزواج بضعة أشهر؟ أنا لم أعد أشعر نحو علياء بمّ كنت أشعر به من قبل.

- أتدري كم عمري الآن يا أحمد!؟

ما زلت شاب يا أبي، أدامك الله بالصحة والعافية.

- يا بُني لقد أصبحت في الخامسة والستين، وأريد أن أرى أحفادي.

نظر أحمد لوالده بعطفٍ شديد ثم قال:

إذن يا أبي سوف نجعل الزفاف بعد شهر من الآن.

ابتسم عمران وفتح ذراعيه لولده ثم همس في أذنه قائلاً:

لا ترتكب الخطأ الذي ارتكبته أنا من قبل يا ولدي، لقد انشغلت عن الزواج حتى تخطيت سن الأربعون، وحينما رزقني الله بك لم أستطيع اللعب معك، لم أستطيع حملك كما تحمل الآباء أبناءهم، دمعت عيني أحمد ولم ينبس ببنت شفة.

مرت الأيام سريعاً واقترب موعد الزفاف، ولكن قبل الزفاف بأيامٍ قليلة سأل أحمد والده قائلاً:

هل تؤمن بتواصل الأرواح يا أبي!؟

- ما هذا السؤال الغريب يا ولدي.

لا أدري يا أبي ولكنني أرى أشياء كأنني رأيتها من قبل.

- مثل ماذا يا أحمد!؟

أخاف أن أقولها لك فتتهمني بالجنون يا أبي.

- قل لي وبعد ذلك نرى قصة الجنون هذه.

أرى فتاة ذات عيون زرقاء، بيضاء الوجه كأنها القمر، أراها تقف في انتظاري ولكنني عاجز تماما عن الذهاب إليها.

ضحك عمران قائلاً:

لا تتعجل يا ولدي كلها أيام وسوف تذهب إليها.

ابتسم أحمد ابتسامة واهنة ولم يعقب على كلمات أبيه.

************

في الصباح الباكر استقل علاء سيارته السوداء بصحبة سلمى، واتخذا طريقهما إلى قرية روضة المحبين حيث عاش علاء طفولته، وحيث تكمن فيها ذكرياته وحبيبة قلبه التي لم يحب يوماً سواها، بعد مرور ساعة أو يزيد من الصمت الطبق، بدأت سلمى الحديث قائلة:

أتدري يا علاء! أشعر بأنني أعرف كل شوارع بلدتك، أشعر بأنني أعرف كل سكانها، أشعر أن هناك شاب ذو وجه خمري وعينيه بنية واقف في انتظاري على مشارفها.

نظر علاء إليها مندهشاً ثم قال:

لا أدري يا سلمى بماذا أجيبك، ولكن لكل منا قدر يدفعنا الله نحوه لتحقيقه، ربما تكونين أنتِ قدر هذا الشاب ويكون قدرك، كما كنتم قدري وأنعم الله عليّ بفضلكم.

ابتسمت سلمى قائلة:

أكل أهل قريتك طيبين مثلك يا علاء!؟ هل خلود وأميرة وسُهيل وفارس سوف يتقبلونني بينكم!؟

هل والديك سيقبلون أن..

- أن ماذا يا سلمى؟

أن أناديهما بأبي وأمي.. قالتها وانهمرت بالبكاء الشديد.

ربت علاء على كتفها ثم قال بحنان كبير:

آه. ريحانة قلبي.

انتظري وسوف ترين يا سلمى، ولكنني أقسم أنهم سوف يحبونك حب كبير.

مسحت سلمى دموعها ثم قالت بصوتٍ ضعيف:

أتنادي أمك بريحانة قلبي!؟

- لست أنا من يناديها بريحانة قلبي يا سلمى.

من يناديها إذن؟

- تناديها أميرة.. عفريتتنا الصغيرة، هي من علمتنا أن نناديها هكذا.

ابتسمت سلمى ثم قالت:

ستكون أميرة هي صديقتي المفضلة إذن.

ضحك علاء قائلاً:

نعم سوف تكون يا سلمى، أتدرين؟ ربما تكون أميرة الآن في كلية الطب أو الصيدلة كما كانت تحلم دائماً، فمنذ رحيلي لا أعلم عنهم شيء، ترى كيف صارت أميرة وكيف هم أبي وأمي والجميع.

أردفت سلمى قائلة:

كلها بضع ساعات ويجمع الله بينكم يا علاء.

- اقسم لك يا سلمى أنني خائف جداً، اشعر بانقباضات في قلبي، أشعر بأن حبل حول رقبتي يخنُقني.

ربتت سلمى على يد علاء قائلة:

لعله خير يا علاء، سلم الأمر كله لله.

- ونعم بالله.. ونعم بالله يا سلمى.

مر الوقت واستسلمت سلمى للنوم على المقعد الأمامي بجوار علاء، اقترب الغروب وقد أصبحا على مشارف القرية.

************

ذات يوم، جلست ريحانة أمام باب البيت، كما كان يجلس علاء دوماً، جلست تتذكر يوم أن عاد سُهيل من الكلية دامع العينين متهالك الجسد، وممسك بيده إحدى الجرائد القومية. تذكرت حين سألته عما يبكيه وانهار بالبكاء قائلاً:

مات علاء يا أمي.، كان على متن قارب مهاجراً إلى إيطاليا، هجرة غير شرعية، وغرق القارب ومات كل من كانوا عليه.

تساقطت دموع ريحانة على خديها وعلىّ صوتها:

لا. لا. لم يمت علاء.. لم يمت علاء.

جاءتها أميرة تسعى وهي تردد قائلة:

لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله.

جلست بجوارها، احتضنتها بقوة ثم قالت:

وحدي الله يا أمي، كلنا سنموت ذات يوم، أعلم يا أمي أن موت علاء كسرنا جميعاً، بموت علاء ماتت فينا الروح وانكسرت ضوعنا وانحت ظهورنا، بموته اختفت البسمة من وجوهنا، ولكن هذا قدر الله وقضاءه ونحن راضين به، راضين بخيره وشره.

أردفت ريحانة بصوتٍ ملؤه الدموع والآهات قائلة:

ونعم بالله يا حبيبتي. ولكنني رغم مرور السنين ما زلت غير مصدقة أنه مات، لم يخدعني قلبي ذات يوم، لن أصدق أبداً أن أخوكِ قد مات، ربما أصدق أنه مات يوم أن ينحني ظهري، ربما أصدق يوماً أن علاء قد مات يوم أن تنقطع أنفاسي ويتوقف قلبي عن النبض ثم استطرت:

أتدرين يا أميرة؟

أشعر أنني الآن مثل مريم عليها السلام يوم أن ألقت مولودها باليم، وأشعر أن الله سبحانه وتعالى، سوف يرد لي علاء كما رد موسى عليه السلام لأمه، أشعر بأن الله عز وجل، سوف يربط على قلبي ألا تخافي ولا تحزني نحن رادوه إليك، هذا ظني بالله يا أميرة، ألم يقل الله تعالى أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن عبدي بي ما يشاء.

أشعر بأن أخيكِ ما زال حي يا ابنتي، وأقسم لكِ أنني لم أجن، لم أجن يا أميرة. لم أجن، ثم علىّ صوتها قائلة:

يا عبد الفضيل أنا لم أجن، يا سُهيل أمك ما زالت بعقلها، يا فارس أنا لست مجنونة، أنا لست مجنونة. ألا لعنة الله على من سرقوا خيرات البلاد، وجعل شبابها يفرون منها ليصبحوا غذاء لأسماء القرش. ألا لعنة الله على من سرقونا وأخبرونا أننا فقراء. انهارت أميرة وبكت بكاء شديد وهي تحتضن أمها، ولكن دون أن تنبس ببنت شفة.

************

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل العاشر

مفاجآت

 

قبل الغروب ظهرت سيارة كبيرة الحجم. سوداء اللون أخذت اتجاه البلدة. لا أحد يعرف من فيها، الزجاج يخفي من يجلس بداخلها. اقتربت السيارة في هدوء، مرت من أمام جمع من الناس كبير، وقفوا جميعاً في دهشة وعجب من هذه السيارة، سألوا أنفسهم بدهشة:

ترىَ من بداخلها؟ من صاحبها؟ لابد أن يكون رجلُ ثري، لابد أنه صاحب منصب كبير وقد جاء لزيارة أحد أقاربه في بلدتنا الصغيرة ولكن ترىَ من يكونون أقاربه!؟ نحن هنا نعرف بعضنا البعض، ترى من يكون هذا الرجل!؟

وقفت السيارة فجأة أمام بيت الحاج نجيب، وهنا ازدادت الهمسات، أردف أحد الواقفون قائلاً:

لابد أنه طبيب من أهل المدن وقد جاء للكشف على علياء، أو ربما أحد المشايخ الذين يظهرون في التلفاز المتخصصون في علاج المس الشيطاني حفظنا الله.

بدأوا يراقبون بانتباه شديد في انتظار نزل من بالسيارة، ولكن ازدادت الدهشة والعجب، لم ينزل من السيارة أحد.

آه. لقد بدأت السيارة في التحرك من جديد، وفجأة! صرخ رجلُ من أهالي البلدة البسطاء صرخة مدوية.

صرخ بخوفٍ وفزع قائلاً:

هذه سيارة سحرية تمشي دون أن يقودها أحد، ملأ الخوف والفزع قلوب الناس الطيبين عندما سمعوا تلك الصرخات، تراجعوا للخلف مبتعدين عنها، ولكن ربما هناك من يبحثون عن تلك السيارة، منتظرين من بداخلها في لهفة وشوق لرؤياهم.

آه. ماذا حدث لقد وقفت السيارة مرة أخرىَ، وقفت أمام شاب من شباب البلدة إنه أيمن أحد أصدقاء علاء منذ زمن بعيد، فتح علاء له الباب الخلفي دون أن يراه ثم صاح قائلاً:

أيمن. أيمن. وقف أيمن مندهشاً وهو يهمس في نفسه قائلاً:

لقد أصبحت من المشاهير يا أيمون، ركب أيمن السيارة وما زال بابها مفتوح، ظناً منه أن صاحب السيارة يريد مساعدة، خلع علاء نظارته والتفت إلى أيمن قائلاً:

ألم تعرفي يا صديقي!؟ نظر إليه في تأمل شديد ثم هرول من السيارة صارخاً:

لا إله إلا الله. لا إله إلا الله. إنه شبح. إنه شبح. إنه شبح علاء عبد الفضيل، ثم فر من السيارة خوفاً ورعباً.. أما أهالي البلدة الطيبين صدقوا كلمات أيمن، هرولوا إلى بيوتهم خوفاً من الشبح الذي يقود السيارة، اندهش علاء من كلمات صاحبه، نظر إلى سلمىَ وابتسما ثم أغلق علاء الباب، وأكملا الرحلة إلى المنزل، أما علياء وريحانة فقد بدأ قلبهما ينبض من جديد وعادت إليهما الحياة، وفي الوقت ذاته شعر أحمد بحنين يجذبه إلى بيت علاء الذي لم يدخله يوماً، ولكنه لا يدري لمّ كل هذا الحنين الذي يملأ قلبه؟ فهو لا يعلم موعده مع من أحبها حتى الثمالة دون لن يراها أو تراه.. آه. لقد اقترب علاء من المنزل. لا يدري كيف يكون اللقاء بينه وبين أهله الذين يعلمون أنه قد مات منذ زمن بعيد.. الآن وصل إلى المنزل.. لا يدري ماذا يفعل! ظل جالساً بداخل السيارة يسترجع ردة فعل صديقه حينما نزع نظارته، همس في نفسه قائلاً:

لعلِ عدت إليهم من داخل القبر بعد أن هالوا فوق جسماني التراب.

نزلت سلمىَ، اتجهت إلى الباب الذي لم يتغير كثيراً، ربما تهالك بعض الشيء، دقت الجرس ووقفت في انتظار من يفتح لها، وأخيراً فتحت أميرة لها الباب، نظرت سلمى إليها قائلة:

لابد أنكِ أميرة.

نظرت إليها أميرة بدهشة ثم قالت:

نعم أنا أميرة ولكن؟ من أنتِ وكيف تعرفين أسمي!؟

ابتسمت سلمى ثم قالت:

أنا أعرف كل شيء عنكِ يا أميرتنا المشاغبة.

بهتت أميرة ولم تعقب، صاحت ريحانة قائلة:

من بالباب يا ابنتي!؟

- إنها فتاة كالقمر يا أمي! تعرفني ولكنني لا أعرف من تكون.

فلتدخلا إذن يا أميرة ونعرف جميعاً من هي وماذا تريد.

ابتسمت سلمى ثم قالت:

لابد أنها ريحانة القلوب.

أمسكتها أميرة من كتفيها قبل أن تدلف من الباب ثم قالت:

بالله من أنتِ وكيف تعرفين ما لم يعرفه أحداً غيرنا!؟

- دعينا ندخل كما قالت ريحانة القلوب، وسوف تعرفون جميعاً من أكون.

دلفت سلمى من الباب مبتسمة، مشيت بجوار أميرة التي ملئت الدهشة وجهها، وجدت كل أفراد العائلة جالسون في انتظار رؤية شبح الماضي البعيد يدخل عليهم، نظرت سلمى إليهم دون أن تنبس ببنت شفة، ثم استجمعت كل شجاعتها قائلة:

أنا سلمىَ! نظروا إليها في دهشة قائلين:

سلمىَ! سلمى من!؟

مرت لحظات وما زالت سلمى تحاول أن تلملم الكلمات بداخلها، نظرت الأم إليها قائلة؟

ماذا تريدين يا ابنتي، اقسم بالله أنني أشم رائحة ولدي فيكِ!

ابتسم سلمى ثم قالت:

صدقتي والله يا أمي، علاء بالخارج خاف أن يدخل عليكم خشية من الصدمة التي رآها على وجه صديقه عندما حدثه ونحن في الطريق إلى هنا، خرج الأهل مسرعين للقاء ابنهم الذي بعث إليهم من جديد استقبلوه في فرحة عارمة..

نظرت الأم إلى سلمىَ وأخذتها بين ذراعيها، احتضنتها بحنان الأم التي حرمت منه منذ أن ماتت أمها، وبعد أن جلس علاء بين أحضان العائلة وعرفهم بسلمى، ابتسمت أميرة قائلة:

أول مرة أعرف أنني بمثل هذا الغباء، فمن يناديني أميرتنا المشاغبة غيرك يا الغالي، لقد عادت لأميرة روح الطفلة التي غابت سنوات طويلة، وفجأة! أردف علاء بهمسٍ شديد قائلاً:

كيف علياء يا أبي!؟

لم يجيبه والده ولكنه ابتسم ثم قال:

الحمد لله الذي لم يضرنا فيك يا ولدي.

اندهش علاء من عدم إجابة والده على سؤاله، نظر إلى أمه وأشقائه قائلاً:

ما لي أراكم تتبادلون النظرات دون همس أو كلام؟ ماذا حدث يا سُهيل؟

أردف سُهيل قائلاً:

منذ ثلاثة أعوام نشرت الصُحف القومية أسمك مع من غرقوا في عرض البحر في طريقهم إلى إيطاليا، ومنذ ذلك الحين مرضت علياء مرض شديد، وبعدها تمت خطبتها لأحمد عمران، والزفاف بعد الغد يا أخي.

************

في الوقت ذاته الذي يجلس فيه علاء دامع العينين محطم القلب والوجدان يستمع لحكايات أخيه، ذهب أحمد إلى الحاج نجيب في انكسار وخجل، ذهب إليه ليرفع عنه الكسوف والحرج.. حرره من أي وعود أو ارتباط بينهما، وبعد أن انتهى سُهيل من سرد كل تفاصيل الحكاية، لم يصدق علاء ما حدث، أسرع في اتجاه منزل حبيبته وكأنه إعصار أو محارب لا يخشى الموت.. ذهب يدافع عن حبه وحبيبته، فهو لم يوفق على التظاهر بالزواج من سلمى، إلا من أجل المال الذي يمحو به الفقر ويتزوج به علياء، لا أحد يدري ماذا سيفعل علاء عندما يصل إليهم، أسرعوا خلفه وكانت سلمىَ هي الأقرب إليه، يتسابقون الخطىَ، وهنا حدث أمام العائلتان أغرب موقف وأروع استقبال بين العاشقين..

عرف علاء الآن، لماذا كانت سلمىَ تشتاق لزيارة بلدته وأهله التي لم تراهم يوماً، وعرف أحمد لماذا كان اليوم في اشتياق لرؤية علاء في بيته، حينما وصل علاء ومن خلفه كل أفراد العائلة، كان أحمد مازال ببيت نجيب، كان هناك موعد بين أحمد وسلمىَ، كان بينهما نداءات وهمس في جوف الليل، كان بينهما تعارف الأرواح وألفتها دون أن يرىَ أحدهما الأخر.. عندما وصلوا إلى منزل علياء، وجد أحمد يهبط درجات السلم، بدأ أحمد يقترب منه ولكنه لا ينظر إليه، بل ينظر إلى من أحبها بكل جوارحه، أحبها وحفظ كل ملامحها، ولمّ لا وهي كانت سيدة أحلامه.. همست سلمى في أُذن علاء قائلة:

هذا هو من أراه وقد حدثتك عنه يا علاء!

بدأ أحمد يقترب منهم أكثر وهو ينظر إلى من كانت تشتاق لرؤياه، ينظر إلى سلمىَ التي أحبته هي الأخرى دون أن تراه، وفجأة! جاءت علياء تسعى نحو علاء ومن خلفها والديها، اقتربت من علاء وهي دامعة العينين، عبرت كل الحدود وحطمت كل العادات والتقاليد، عانقته بقوة ثم بدأت تضربه على صدره قائلة:

لماذا لم تكتب لي كل يوم ألف رسالة؟ لماذا تركتني كل هذه الأعوام وحيدة! لم ينبس علاء ببنت شفة، اقتربت منهما سلمى ثم احتضنت علياء قائلة:

أتدرين يا علياء؟ كنت في يومٍ من الأيام أظن أنني سوف أقتلك إن رأيتك يوماً، ولكنني اليوم أراكِ أحب الناس إلى قلبي.

مسحت علياء دموعها ثم قالت وهي تبتسم:

من أنتِ؟ ولماذا كنتِ تريدين قتلي!؟

ضحكت سلمى ثم قالت:

أنا سلمى. ولكن لماذا كنت أريد قتلك فهذا شرحه يطول.

ضحك نجيب قائلاً:

فلنصعد الآن وننظر في أمركم ماذا نرى، وقبل أن يصعدوا جاءت إليهم خلود تسعى وبيدها بسمة، ومن خلفهما فادي يحمل على كتفيه رقية وعلاء الصغير، فقد أنجبا توأم وسرقت خلود اسم رقية من أخيها، فهي تعلم أنه يعشق اسم رقية، وأخيراً صعدوا جميعاً إلى بيت نجيب.

************

في اليوم التالي جلس علاء بصحبة أشقاءه، نظر إلى أميرة قائلاً:

كيف حالك يا أميرتنا المشاغبة؟ في أي كلية أنتِ الآن؟

ضحكت أميرة قائلة:

إنني الآن في كلية الصيدلة يا الغالي.

- وأنت يا فارس؟

الوعد يظل وعداً يا علاء، لقد التحقت بكلية الطب كما وعدت عبد الفضيل.

ضحكت أميرة وهي تنظر إلى أمها قائلة:

ألم أخبركِ ذات يوم أنكِ سوف تصبحين أم الأطباء يا ريحانة قلوبنا! ضحكت ريحانة ثم قالت وهي تحتضن سلمى:

لقد عادت إلينا الروح بعودتكما، وقد كافئني الله على صبري، وأعطاني ابنة جميلة، نظرت أميرة إلى سلمى، وهي ترفع حاجب وترخي الأخر ثم قالت:

أراكِ قد استحوذتِ على قلب ريحانة قلوبنا، اعلمي أنني من الممكن أن أقتلك ذات يوم يا سلمى.

مرت الأيام وتمت خطبة علياء وعلاء، وسلمى وأحمد، اشترى علاء عدة أفدنة لوالده كما وعده ذات يوم، واشترى قطعة أرض كبيرة، بنى عليها بيت كبير وبجواره بنى مسجد، أطلق عليه أسم صاحبه مهاجر، وبعد أن انتهى من بنائهما بأيام قليلة، تم الزفاف في حفل لن تنساه قرية روضة المحبين، بل لن تنساه كل البلدان المجاورة. وبعد الزواج أصبحت علياء وسلمىَ تجمعهما صداقة قوية، بل شعرت كل منهما بأن الأخرى هي الأخت التي لم تنجبها لها أمها، وقد أصبح أحمد وعلاء شريكين في العمل، فقد أسسا شركة عملاقة، متخصصة في كل أنواع التكنولوجيا.. مرت الأيام يوماً تلو يوم، وبدئت علياء تتحسس بطنها برفق الأمومة وحنانها، تحرك يدها الناعمة وكأنها تتحسس طفل صغير، وذات يوم، استيقظت من نومها قبل صلاة الفجر بقليل. أيقظت علاء قائلة:

هيا حبيبي قبل أن تفوتك صلاة الجماعة، قام علاء من ثباته العميق توضأ وخرج مسرعاً وهو يهمس قائلا:

اللهم اغفر لي وارحمني، اللهم سامحني على تقصير ونومي، وأخيراً. وصل إلى المسجد قبل إقامة الصلاة بوقت يكفيه أن يصلي ركعتي السنة، وبعد ان أتمهما أقام المؤذن الصلاة وقد تأخر الأمام.. نظر المؤذن في وجوه المصلين فلم يجد من يصلي بهم إمام غير علاء فقدمه قائلا:

تفضل يا أستاذ علاء.. تقدم علاء على استحياء، وقف أمامهم قائلا:

استقيموا يرحمني ويرحمكم الله. استفتح الصلاة بالفاتحة ثم بسورة ق كاملة وعندما وصل إلى قول الله تعالى:

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيد[3] 

انهمر ببكاء ونحيب، وبعد أن انتهت الصلاة جلس مواجهاٍ وجوه المصلين، وبعد برهة من الوقت قام وخرج متوجهاً إلى البيت

بعد أن دخل علاء البيت.. بدل ملابسه وجلس قرأ ما تيسر له من كتاب الله الكريم، ثم اتجه إلى غرفة النوم قائلا:

سوف أنام ساعة قبل ذهابي إلى العمل، دخلت عليه علياء بعد أن انتهت من صلاتها، نظرت إليه وجدته وقد غرق في ثبات النوم، جلست أمام المرآة تتحسس بطنها من جديد، كان علاء ما زال مستيقظاً، اختلس إليها نظرة سريعة مبتسماً ثم دخل تحت الغطاء ظناً منه أنها لم تراه.. نظرت علياء إليه مبتسمة ابتسامة الذئاب قائلة:

ـــــــ تصطنع النوم حضرتك. الآن سوف أُلقنك درساً لن تنساه أبداً، قامت وتوجهت نحو الأدراج فتحت الدرج الأول في هدء شديد، أخرجت منه شيء مما تحبه وتعشقه عشق الأطفال، ثم توجهت نحو السرير، جست على ركبتيها أمام عيني علاء..

وبهدوء الثعلب سحبت من فوقه الغطاء، وهي تداعب خده بلمسة يدها الرقيقة دون همس منها أو لمز، فتح علاء عينيه مبتسماً، فكانت المفاجأة التي كادت أن تخلع قلبه وتجعله يترنح من فوق السرير.

************

الرعب القاتل

 

عندما نظر علاء لمن هو قابع بجوار السرير، قام فزعاً وهو يصرخ بهيستريا قائلاً:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم، قُل هُوَ اللهُ أَحَدُ* اللهُ الصّمَدُ* لَم يَلِد وَلَم يُولَد* وَلَم يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحدُ* وهنا تعالت ضحكات علياء كالأطفال فرحة بما حققته من رعب وفزع لزوجها الحبيب.

فقد ارتدت إحدى أقنعة الرعب التي تملأ بها الأدراج، هي تعشقها وتعشق اللعب بها كالأطفال الصغار، ولكنها لم ترتديها منذ أن أرعبت بها ورد يوم أن ظنت أنها قد نسيت يوم ميلادها، وبعد أن هدئ علاء وتمالك نفسه، نظر إليها متوعداً لها قائلاً:

ـ والله لن أجعل هذا يمر هباء، وحينها فلتبكِ مثلما تبكِ الأطفال.

نظرت إليه وهي ما زالت تضحك وتصفق كالأطفال قائلة:

ـ عشان تضحك عليّ كمان وتعمل نفسك من النيام.

قال نايم قال.. دا أنا هطير النوم من عينك.. ثم دخلت في هيستيريا الضحك من جديد.

بعد أن هدأ علاء وذهب الرعب من بين دقات قلبه المتسارعة، دخل تحت الغطاء من جديد محاولاً النوم ولكنه لم يأمن مكر زوجة الحبيبة. فهو يحفظها عن ظهر قلب.. يعلم أنها لن تدعه يهنأ بنومه، كلما أغمض عينيه يتخيلها جالسة بقناعها المرعب، فيبتسم قائلاً:

اللهم اهدي زوجتي فهي كالأطفال.. مرت الدقائق وجاء وقت الذهاب للعمل، قام علاء وتوجه إلى الحمام اغتسل وغير ملابسه استعداداً للذهاب إلى العمل، عندما خرج وجد علياء في انتظاره وقد جهزت له الإفطار وأعدت له القهوة.. نظر إليها قائلاً:

ــــ تريدينني أن أفطر معاكِ بعد أن أرعبتني على الصبح، لا. لا أريد إفطارك.

نظرت إليه مبتسمة ثم قالت:

حبيبي. بل قلبي وذاتي ووتيني. أنت نسيم الروح وعشقها، أنت الفؤاد وهوى النفس وسحرها.. وما فعلته أنا كان درساً، فإن أنت قررت فعلتك، فاعلم يقيناً أنني أيضاً قررتها.. ثم أمسكت يده مبتسمة وهي تقول:

هيا يا قلبي وروحي تناول إفطارك، أنت تعلم أنني لن أتذوق الطعام بدونك، وابننا في حاجة للغذاء، فانظر ماذا ترى.

نظر إليها هو الأخر مبتسماً ثم أمسك يدها وقبلها ثم احتضنها بين كفيه.. ظنت أنه من عذب الكلام سيغدقها، أغلقت عينيها وتهيأت لمعسول الكلام الذي طالما سمعته من فيه حبيبها.. ولكنها لم تسمع صوته وما زالت يدها بين راحتي يديه، فتحت عينيها قائلة:

ـ دع يدي إذن، لماذا تحتضنها بين راحتيك إن كنت تأبى أن تغدقني بعذب الكلام في الصباح؟

ترك يدها وهو يضحك.. نظرت إليه بعينيها التي امتلأت منه غيظ قائلة:

ـ هيا تناول فطورك كي لا تتأخر على عملك.

نظر إليها قائلاً:

ـ لا أريد الفطور.. فلتفطري أنتِ يا روحي.. ثم ضحك ضحكة ساخرة من ملامح وجهها الذي تجهم وأخذ حقيبته بيده وتوجه نحو الباب.. وإذا بصوت علياء ينتزعه قائلة:

ـ بالله لن أتناول الطعام أن لم تأكل معي، وتطعمني بيدك كما تعودنا منذ أن أصبحت حواءك وأنت أدمي.. فهي تعلم يقيناً بأنها لن تهون عليه يوماً.

فكيف يخرج ويطرقها بعد أن أقسمت بأنها لن تأكل بدونه، وكانت المفاجأة عندما نظر إليها علاء قائلاً:

ــــ عنك ما أكلتي إياكِ تهمدي وتبطلي حركاتك دي.. ثم خرج من الباب وهي في حيرة من أمرها، تتعجب كثيرا!

تهمس في نفسها قائلة:

ترى هل ذهب حقاً حبيبي وهو غضبان؟ هل قسى قلبه ونزل حقاً دون أن يغدقني بكلماتِ الحب والغزل الذي عودني عليه منذ أن تزوجنا؟ لا. لا لن يغادر هكذا.. تنظر إلى الباب مرة تلو أخرى ولكنه لم يرجع إليها، نسيت أنها قد حلفت بأنها لن تأكل من دونه، كل ما يشغلها ويقلقها أنه نزل بدون أن يقول لها كلمات الحب والشوق الذي تعودت أن تسمعه ليل نهار، وفجأة سمعت خطاه تقترب عائد إليها، عادت البسمة إلى وجهها العابس.. ترى هل عاد ليعيد إليها بسمتها؟ أم عاد كي يزيد عبوس وجهها عبوس! نظر علاء إليها بنظرةٍ يملأها الحب والحنين قائلاً:

حبيبتي كيف أغادر وقد نسيت نظارتي! أراكِ عندما أعود، وهنا انفجرت علياء غيظا قائلة:

وديني ما أنا عملالك غدا في يومك خليك براحتك يا الغالي، ابتسم علاء ولم ينبس ببنت شفة. فقد علم أن الغيظ قد بلغ منتهاه في قلب حبيبته وعشق روحه، خرج مسرعاً واتجه إلى عمله الذي تأخر عنه بعض الوقت، جلس خلف مكتبه وهو سارح العقل فاقد التركيز. يبتسم من حين إلى حين.. نظر إليه عم صلاح في دهشة وهو يقدم له فنجاناً من القهوة، ثم سأله قائلاً:

ما بك يا ولدي أأصابك الجنون!؟ ابتسم علاء ثم قص عليه ما فعلته به زوجته الحبيبة، وهنا انفجر الأخير ضاحكاً، ثم أردف إليه قائلا:

الحمد لله الذي رزقني زوجة تجهل ألاعيب الأطفال، وبعد أن قضى علاء بعض الوقت مشتت العقل سارح العينين، تذكر زوجته الحبيبة وهي تقسم له بأنها لن تأكل إن لم يجلس بجوارها ويأكل معها، لملم أشياءه مسرعاً واتجه عائداً إلى البيت، فهو يعرف جيداً عناد علياء.. يعرف أنها لا تهتم بإطعام نفسها، ذهب إلى محل الزهور القريب من العمل، جعل البائع يصنع له أجمل باقة من أروع أنواع الزهور، حملها بين يديه وكأنه طفل رضيع، صعد السلم وأصبح مواجهاً للباب، قبل أن يضع المفتاح في الباب وجد علياء تفتح له وكأنها تعلم بقدومه إليها، عندما نظرت إلى ما يحمله إليها، أخذته بفرحة الأطفال، بزغت الفرحة في عينيها.. نسيت كل ما فات منذ ساعات، استقبلته وكأنه عائد إليها من بعد رحلة استغرقت أياماً وشهور.. نظر إليها وقد احتواها بنظرة الحب والشوق ثم ابتسم وأردف إليها قائلاً:

ما أجمل الفرحة في عينيكِ حبيبتي! كأنكِ تحملين بين يديكِ طفلُ صغير.

نظرت إليه وهي تستنشق عبق الأزهار قائلة:

أنت طفلي الوحيد.. أنت ابن قلبي وعشق روحي ووتيني!

************

مرت الأيام سريعاً، وطوال التسعة أشهر، لم تنقطع علياء عن الحديث مع توأمها، وأخيراً جاء يوم الولادة ليخرجا من عالمهما إلى عالم جديد، ذات ليلة قبيل الفجر بساعة أو يزيد، استيقظ علاء على صوت زوجته وهي تهزه بعنف قائلة:

أفي هذه الليلة تنام وتتركني أتألم!؟ هيا استيقظ فإنني في ألم المخاض.

استيقظ علاء فزعاً وهو يردد قائلاً:

اللهم احفظني من أمامي ومن خلفي يا أرحم الراحمين، ما بكِ يا حبيبتي!؟

_ لا تسألني وقم أخرج السيارة فإنني سوف أضع الطفلين الآن.

خرج علاء دون أن يغير ملابسه، فكيف يستطيع أن يتجه نحو خزانة الملابسة، وقد تحولت زوجته إلى أسدٍ جريح، فإن لم ينفذ ما قالته ستقتله لا مجال للشك.

أسرع علاء وأخرج السيارة ولكنه لم ينسى أن يتصل على أم زوجته وأمه أيضاً، أخبرهما بأن علياء سوف تضع التوأم وهما ذاهبان إلى الطبيبة، حمل علاء زوجته ووضعها بداخل السيارة ثم انطلق في اتجاه عيادة الطبيبة الخاصة بها، لم تنقطع علياء عن الصراخ وفجأة أردفت من بين الصراخ قائلة:

أي أسماء قد اخترتها للصغيرين!؟

نظر إليها بدهشة ثم قال:

ما رأيك أن أختار اسم البنت وتختارين أنتِ اسم الولد!؟

اعتدلت علياء على المقعد بعد أن كانت متكئة ثم قالت بخبث:

لماذا اخترت البنت لتسميها أنت!؟ أكان لك حبيبة غير أيها المخادع!؟

لم يعقب علاء على كلمات زوجته، ولكنه زفر هواء صدره قائلاً:

عجباً لأمر النساء فكلهن سواء.

ثم استطرد:

سيكون الولد مهاجر بإذن الله ولتسمي البنت كما تشائين يا حبيبتي!

وأخيراً وصلا العيادة، واثناء دخول علياء غرفة الولادة، همست في أذن علاء وهو حاملها بين يديه قائلة:

أي اسم كنت ستجعله للبنت!؟

ابتسم علاء قائلاً:

حينما تخرجين لي بكل خير سأخبركِ.

وأخيراً قبع علاء أمام الغرفة، وتجمع حوله كل أفراد العائلتين، ومعهما أحمد وسلمى التي ما زال على موعدها مجرد أيام، ظهر التوتر على وجه سلمى فاحتضنتها ريحانة بحنان ثم قالت:

لا تخافي سنكون هنا جميعاً قابعين في انتظار سماع صوتكِ وصوت طفلكِ الجميل.

انتهت

************



[1]سورة القصص 34

 

[2]سورة الأعراف 34

 

[3]سورة ق 19

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لسنا اللصوص

لسنا اللصوص  قصة قصيرة بقلم/ سعيد الشوادفي في ليلة من ليالي الصيف الحارة المملوءة بالناموس والكثير من الحشرات الطائرة، جلست أطالع الأخبار لأرى آخر المستجدات في هذا الوباء المدعو (كوفيد 19) أو (الكورونا) الذي قطع علينا سُبل الرزق والعمل، وفجأة وقع على قلبي قرار الحكومة كالصاعقة، كيف تمنع تراخيص البناء لمدة ستة أشهر، كيف سأحيا أنا وزوجتي وأبنائي الثلاثة ومصدر دخلي الوحيد هو العمل اليومي كعامل بناء رغم الشهادات المعلقة على الجدران، تجهم وجهي وامتلئ قلبي بالهموم رغم ثقتي في الله بأنه سوف يسوق لي رزقي ورزق عائلتي سوقاً فهذا ظني بالله، انسحبت في هدوء ممزوج بالألم، دخلت غرفة نومي وأنا أكابد البكاء، أغلقت زوجتي التلفاز وأخذت الأطفال إلى غرفهم ثم جاءت لي مبتسمة كعادتها منذ أن كنا صغارا، هي جارتي وحب عمري وأنا أحفظ أدق تفاصيلها، جلست بجواري في هدوء نسمة صيف ثم قالت بهمسٍ: ما بك يا زوجي الحبيب؟ لمّ كل هذا الحزن بعينيك؟ ـــ آه يا أم رقية. ماذا أقول؟ أليس في حكومتنا رجلُ رشيد!؟ ألم يعلمون أن ثمانين بالمائة من أبناء هذا الشعب الكادح، مصدر رزقه الوحيد هو العمل في مجال المعمار الذي أوقفوه ...

باقة توليب

باقة توليب مع دقات الساعة معلنة عن الثامنة صباحاً، أستيقظ سعيد على صوت زوجته دانة قائلة: حبيبي. لقد اقترب العيد ولم نشتري الأضحية حتى الآن، هل قررت أننا لن نضحي هذا العام؟ أم بخلت عليّ بثواب الأضحية؟ نظر إليها بعينين واهنتين من أثر النعاس، وعلى شفتيه ابتسامة باهتة، ثم نهض من الفراش وذهب إلى الحمام دون أن يعقب على ما قالت له، جلست دانة على حافة السرير وهي في دهشة من أمر زوجها وبداخلها ألف سؤال وسؤال، وضعت وجهها بين كفيها، لتواري العبرات التي أعلنت الثورة في عينيها البنيتين، والمضي في طريقها نحو الأرض، مرت دقائق وكأنها أعوام ودهور، خرج سعيد من الحمام وجد زوجته ما زالت قابعة على حالها، بدل ملابسه ثم هم بالخروج ليذهب إلى عمله في وزارة العدل وكأنه لم يراها، قبل أن يخرج من باب الغرفة سمع صوتها وكأنه أت من عالم بعيد، تسمرت قدماه بالأرض دون أن يلتفت لها، أردفت له قائلة: أما زلت تلومني على شيء قد أختاره الله لي؟ أتلومني على أنني ممن كتبهن الله عقيم؟ ما لك لا تتحدث معي؟ ما لك لا تنظر لي؟ ألم يعد وجهي دنياك؟ ألم يعد أحب الوجوه إليك؟ أين كلام الحب الذي كنت تغدقني به في الصباح وفي المساء؟ لم يل...